فلا بدّ للملك من أسّه ، ولا بدّ للدين من حارسه ، فأمّا ما لا حارس له فضائع ، وما لا أسّ له فمهدوم . . . واعلموا أنّه ليس ينبغي للملك أن يعرف للعبّاد والنسّاك بأن يكونوا أولى بالدين منه ، ولا أحدب عليه ، ولا أغضب له [ ولا ينبغي له ] أن يخلَّي النسّاك والعبّاد من الأمر والنهي في نسكهم ودينهم فانّ خروج النسّاك وغيرهم من الأمر والنهي عيب على الملوك وعلى المملكة ، وثلمة بيّنة الضرر على الملك وعلى من بعده .
واعلموا أنّه قد مضى قبلنا من أسلافنا ملوك كان الملك منهم يتعهّد الحماية بالتفتيش والجماعة بالتفضيل والفراغ بالاشغال ، كتعهّده جسده بقصّ فضول الشعر والظفر ، وغسل الدرن والغمر ومداواة ما ظهر من الأدواء وما بطن ، وقد كان من أولئك الملوك من صحّة ملكه أحبّ إليه من صحّة جسده ، فتتابعت تلك الاملاك بذلك كأنّهم ملك واحد ، وكأنّ أرواحهم روح واحدة ، يمكَّن أوّلهم لاخرهم ، ويصدّق آخرهم أوّلهم ، يجتمع أبناء أسلافهم ، ومواريث آرائهم ، وعثرات عقولهم عند الباقي بعدهم ، وكأنّهم جلوس معه يحدّثونه ويشاورونه .
حتّى كان على رأس دارا بن دارا ما كان من غلبة الإسكندر الرومي على ما غلب عليه من ملكه ، وكان إفساده أمرنا ، وتفرقته جماعتنا ، وتخريبه عمران مملكتنا أبلغ له في ما أراد من سفك دمائنا ، فلمّا أذن اللَّه عزّ وجلّ في جمع مملكتنا ، وإعادة أمرنا كان من بعثه إيّانا ما كان ، وبالاعتبار يتّقى العثار ، والتجارب الماضية دستور يرجع إليه من الحوادث الآتية . . . . وعند حسن الظنّ بالأيّام تحدث الغير ، وتزول النعم ، وقد كان من أسلافنا وقدماء ملوكنا من يذكَّره عزّه الذلّ ، وأمنه الخوف ، وسروره الكآبة ، وقدرته المعجزة ، وذلك هو الرجل الكامل قد جمع بهجة الملوك ، وفكرة السوقة ، ولا كمال إلَّا في جمعها . . . واعلموا أنّ بدء ذهاب الدّولة ينشأ من قبل إهمال الرعيّة بغير أشغال
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 322
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٢٢