فامتنع من أخذ العطاء لخسّة قبيلة باهلة عند العرب حتّى قيل في ذلك :
إذا باهليّ تحته حنظليّة
له ولد منها ، فذاك المذرّع
أراد الشاعر أنّه إذا كانت الزوجة للزوج الباهلي حنظليّة يصير الولد مذرّعا أي شريفة الامّ ووضيع الأب .
ولمّا بعث اللَّه نبيّه محمّدا صلَّى اللَّه عليه وآله رحمة للعالمين ، مهمّه هدفين هامّين في دعوته الاصلاحيّة : 1 - بثّ التوحيد وهداية البشر إلى عبادة اللَّه وحده تحت شعار « لا إله إلَّا اللَّه » وردعهم عن عبادة الأصنام والأنداد الَّذين لا ينفعون ولا يضرّون .
2 - إلفات البشر إلى أخويّة إنسانيّة ورفع التبعيض العنصري بأدقّ معانيه ومحو الامتيازات الموهومة بوجه جذري ، فبثّ دعوة التوحيد بكلّ جهد وجهود حتّى لبّى دعوته أناس مخلصون ، وأيّده اللَّه بنصرة قبائل عرب يثرب فهاجر إلى المدينة وأسّس حكومة الاسلام النيّرة ، فاتّبعه قبائل العرب واحدة بعد أخرى وفتح مكَّة المكرّمة وأخضع قبائل قريش الأشدّاء في العناد مع الاسلام ، وهم ذروة العرب وأشرف القبائل في عقيدة سائر العرب وفي اعتقادهم ، نشاوا بهذه العقيدة منذ قرون حتّى رسخ في دماغهم ورسب في دمائهم ومصوّها من ضروع امّهاتهم .
ولمّا فتح مكَّة على خطَّة نبويّة أشبه بالإعجاز من دون سفك الدماء في الحرم وإيقاد الحرب المؤلمة وتبيّن سيادة الاسلام على أنحاء الجزيرة العربيّة وأجوائها الواسعة قام على كعبة المكرّمة ، ونادى بهذين الهدفين الهامّين بكلّ صراحة في خطبة ذهبيّة هاك نصّها عن سيرة ابن هشام : قال ابن إسحاق : فحدّثني بعض أهل العلم أنّ رسول اللَّه قام على باب الكعبة فقال : لا إله إلَّا اللَّه وحده لا شريك له ، صدق وعده ، نصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده ، ألا كلّ مأثرة أو دم أو مال يدّعى فهو تحت قدميّ هاتين إلَّا سدانة البيت ، وسقاية الحاجّ ، وقتل الخطأ شبه العمد بالسوط والعصا ففيه الدية مغلَّظة : مائة من الإبل أربعون منها أولادها في بطونها ، يا معشر قريش : إنّ اللَّه قد أذهب