والظاهر من حديث أسباط بن سالم الانف الذكر أنه لم يدع الاشتغال بها بعد البعثة وتحمّل أعباء النبوّة ، كما يستفاد ذلك من تعيير قريش له بقولهم : « ما لهذا الرّسول يأكل الطَّعام ويمشي في الأسواق - كما في الآية 7 من سورة الفرقان » .
وقد وصف عليه السّلام التجّار بما لا مزيد عليه من خدمتهم في الاجتماع الانساني وحمايتهم المدنية البشريّة فقال : 1 - ( والمضطرب بماله ) أي من يجعل ماله متاعا يدور به في البلاد البعيدة يقطع المفاوز ويعرّض نفسه للأخطار ليصل حوائج كلّ بلد إليه .
2 - فإنهم موادّ المنافع وأسباب المرافق .
قد اهتمّ الدّول الراقية والشعوب المتقدّمة في هذه العصور بأمر التّجارة وأدركوا حقيقة ما أفاده عليه السّلام في هذه الجملة القصيرة قبل قرون طويلة من أنّ التّجارة موادّ المنافع ، وقد أبلغ عليه السّلام في إفادة ما للتّجارة من الأهمّية في أمر الاقتصاد حيث جاء بكلمة الموادّ جمعا مضافا مفيدا للعموم ، وبكلمة المنافع جمعا معرّفا باللَّام مفيدا للاستغراق ، فأفاد أنّ كلّ مادة لكلّ منفعة مندرج في أمر التّجارة ، فالتّجارة تحتاج إلى ما يتّجر به من الأمتعة وإلى سوق تباع تلك الأمتعة ، ثمّ يؤخذ بدلها متاعا آخر ويبدّل بمتاع آخر فيستفاد من هذه المبادلات كلَّها أرباحا .
وقد بلغ أهمّية التّجارة في هذه القرون المعاصرة إلى حيث صارت محورا للسّياسة العامّة للدّول العظمى فكانوا يبحثون عن الأراضي الَّتي يحصل منها موادّ نافعة كالمعادن الغزيرة من النفط والذّهب والفضّة والمحاصيل الزراعيّة التي تصرف في صناعة النسج وغيرها ، ثمّ ينقلونها إلى بلادهم ويصنعون منها أنواع الأمتعة الَّتي يحتاج إليها كلّ شعب من الشّعوب ، ويبحثون عن الأسواق الَّتي يصرف منها هذه المصنوعات ، فصارت هذه المنافع التجاريّة أساسا لسياسة الدّول ومثارا للحروب الهائلة ومدارا للمعاملة مع الشّعوب ، تحيّلت الدّول العظمي في الحيلولة
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 266
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٦٦