ما سألني عنه ، ومحضته النصيحة فيه ، والملك أعلى عينا ، وأنفذ رويّة ، وأفضل رأيا وأبعد همّة فيما استعان بي عليه ، وكلَّفني بتبيينه والمشورة عليه فيه ، لا زال الملك متعرّفا من عوائد النّعم ، وعواقب الصّنع ، وتوطيد الملك ، وتنفيس الأجل ، ودرك الأمل ، ما تأتي فيه قدرته على غاية قصوى ما تناله قدرة البشر ، والسّلام الَّذي لا انقضاء له ، ولا انتهاء ، ولا فناء ، فليكن على الملك .
قالوا : فعمل الملك برأيه ، واستخلف على إيران شهر أبناء الملوك والعظماء من أهل فارس فهم ملوك الطَّوائف الَّذين بقوا بعده والمملكة موزّعة بينهم إلى أن جاء أردشير بن بابك فانتزع الملك منهم .
وينبغي أن يلفت النظر إلى مكاتبة إسكندر وأرسطو هذه من وجوه : 1 - ما يستفاد من كتاب إسكندر من إعجابه بالأسرة المالكة في إيران أيّام داريوش حيث أعجب بهم وهابهم وخاف منهم بعد الغلبة عليهم حتّى همّ بقتلهم واستيصال شافتهم ليأمن بوائقهم على ملكه فيما بعد ، ها بهم وهم أذلَّاء واسراء تحت يديه ، هابهم من قوّة منطقهم ووفور تعقلهم وبسالتهم وشجاعتهم واعترف بأنّ الغلبة عليهم كان قضاء مقدرا لا أمرا بشريّا ميسّرا ، ويستفاد من ذلك أنّه كان في الأسرة المالكة تربية وتثقيف لا يوجد مثلها حتّى في يونان مركز الفلسفة في هذه العصور .
2 - إنّ هذه التربية والثقافة كانت مقصورة على الأسرة المالكة لا تتعدّاهم ، وكانت عامّة النّاس في هذه المملكة الواسعة الأطراف فاقدين لكلّ شيء لا يمسّون من شؤون الحياة إلَّا العمل تحت إرادة الحكَّام ونيل أدنى المعيشة مما يناله البهائم والأنعام ، فهم في الحقيقة كالغنم يرعاهم الأسرة المالكة تأكل منهم ما يشاء وتبقي ما يشاء ، وهذا هو السرّ في إمكان الحكومة على هذه الشعوب الكثيرة في بلاد شاسعة الأطراف ، ومن هذه الجهة لا تهتمّ عامّة الشعوب في الدفاع عن الوطن ولا تدخل لهم في هذا الأمر السّياسي إلَّا ما يؤمرون به من جهة الامراء ، فإذا ضعف الحكومة في ناحية أو شعب يهاجم عليها العدوّ ويتسلَّط عليها بلا منازع ومدافع وبقي هذا التلاشي بين الحكومة والشعب في إيران إلى أيّام الفتح العربي ، فهاجم ما يقلّ
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 211
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢١١