تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩
تلقّنا برأس ملكهم هديّة إلينا ، وطلبا للحظوة عندنا ، فأمرنا بصلب من جاء به ، وشهرته لسوء بلائه ، وقلَّة ارعوائه ووفائه ثمّ أمرنا بجمع من كان هناك من أولاد ملوكهم وأحرارهم وذوي الشّرف منهم ، فرأينا رجالا عظيمة أجسامهم وأحلامهم ، حاضرة ألبابهم وأذهانهم ، رائعة مناظرهم ومناطقهم ، دليلا على أنّ ما يظهر من روائهم ومنطقهم أنّ وراء من قوّة أيديهم ، وشدّة نجدتهم وبأسهم ما لم يكن ليكون لنا سبيل إلى غلبتهم ، وإعطائهم بأيديهم ، لولا أنّ القضاء أدالنا منهم ، وأظفرنا بهم ، وأظهرنا عليهم ، ولم نر بعيدا من الرّأى في أمرهم أن نستأصل شافتهم ، ونجتثّ أصلهم ، ونلحقهم بمن مضى من أسلافهم ، لتكون القلوب بذلك إلى الأمن من جرائرهم وبوائقهم ، فرأينا أن لا نعجل باسعاف بادىء الرّأى في قتلهم دون الاستظهار عليهم بمشورتك فيهم ، فارفع إلينا رأيك ، فيما استشرناك فيه بعد صحّته عندك ، وتقليبك إياه بجليّ نظرك ، وسلام على أهل السّلام فليكن علينا وعليك . فكتب اليه أرسطو لملك الملوك وعظيم العظماء ، الإسكندر المؤيّد بالنّصر على الأعداء ، المهدي له الظَّفر بالملوك ، من أصغر عبيده وأقلّ خوله ، ارسطوطاليس البخوع بالسّجود ، والتذلَّل في السّلام ، والإذعان في الطاعة . أمّا بعد ، فانّه لا قوّة بالمنطق وإن احتشد الناطق فيه ، واجتهد في تثقيف معانيه وتأليف حروفه ومبانيه على الإحاطة بأقلّ ما تناله القدرة من بسط علوّ الملك وسموّ ارتفاعه عن كلّ قول ، وإبرازه على كلّ وصف ، واغترافه بكل إطناب ، وقد كان تقرّر عندي من مقدّمات إعلام فضل الملك في صهلة سبقه ، وبروز شأوه ، ويمن نقيبته مذأدّت إلىّ حاسّة بصري صورة شخصه ، واضطرب في حسّ سمعي صوت لفظه ، ووقع وهمي على تعقيب نجاح رأيه ، أيّام كنت أودي إليه من تكلَّف تعليمي إيّاه ما أصبحت قاضيا على نفسي بالحاجة إلى تعلَّمه منه ، ومهما يكن منّي إليه في ذلك ، فانّما هو عقل مردود إلى عقله ، مستنبطة أو اليه وتواليه من علمه