تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠
وحكمته ، وقد جلا إلىّ كتاب الملك ومخاطبته إيّاى ومسألته لي عمّا لا يتخالجني الشك في لقاح ذلك وإنتاجه من عنده ، فعنه صدر وعليه ورد ، وأنا فيما أشير إليه على الملك - وإن اجتهدت فيه واحتشدت له ، وتجاوزت حدّ الوسع والطاقة منّي في استنطاقه واستقصائه - كالعدم مع الوجود ، بل كما لا يتجزأ في جنب معظم الأشياء ولكنّي غير ممتنع من إجابة الملك إلى ما سأل ، مع علمي ويقيني بعظم غناه عنّي وشدّة فاقتي إليه ، وأنا رادّ إلى الملك ما اكتسبته منه ، ومشير عليه بما أخذته عنه ، فقائل له : إنّ لكلّ تربة لا محالة قسما من الفضائل ، وإنّ لفارس قسمها من النّجدة والقوّة وإنّك إن تقتل أشرافهم تخلَّف الوضعاء على أعقابهم ، وتورث سفلتهم على منازل عليّتهم ، وتغلَّب أدنيائهم على مراتب ذوي أخطارهم ، ولم يبتل الملوك قطَّ ببلاء هو أعظم عليهم وأشدّ توهينا لسلطانهم من غلبة السفلة ، وذلّ الوجوه فاحذر الحذر كلَّه من أن تمكَّن تلك الطبقة من الغلبة والحركة ، فإنّه إن نجم بعد اليوم على جندك وأهل بلادك ناجم دهمهم منه مالا رويّة فيه ولا بقيّة معه ، فانصرف عن هذا الرّأي إلى غيره واعمد إلى من قبلك من أولئك العظماء والأحرار ، فوزّع بينهم مملكتهم ، وألزم اسم الملك كلّ من ولَّيته منهم ناحيته واعقد التاج على رأسه ، وإن صغر ملكه ، فإن المتسمّى بالملك لازم لاسمه ، والمعقود التاج على رأسه لا يخضع لغيره ، فليس ينشب ذلك أن يوقع كلّ ملك منهم بينه وبين صاحبه تدابرا وتقاطعا وتغالبا على الملك ، وتفاخرا بالمال والجند حتّى ينسوا بذلك أضغانهم عليك وأوتارهم فيك ، ويعود حربهم لك حربا بينهم ، وحنقهم عليك حنقا منهم على أنفسهم ، ثمّ لا يزدادون ذلك بصيرة إلَّا أحدثوا لك بها استقامة ، وإن دنوت منهم دانوا لك ، وإن نأيت عنهم تعزّزوا بك ، حتّى يثب من ملك منهم على جاره باسمك ، ويسترهبه بجندك ، وفي ذلك شاغل لهم عنك وأمان لاحداثهم بعدك ، وإن كان لا أمان للدّهر ، ولا ثقة بالأيّام . قد أدّيت إلى الملك ما رأيته لي حظَّا ، وعلىّ حقّا من إجابتي إيّاه إلى
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 210 | حبيب الله الهاشمي الخوئي / سيد إبراهيم الميانجي