ظهر للملأ اغتصابه لأموال المسلمين وأخذه من بيت المال فوق حقّه وسهمه حتّى بلغ خبره إلى عمر بن الخطَّاب فكتب إليه معاتبا له : أمّا بعد ، فقد ظهر لي من مالك ما لم يكن في رزقك ولا كان لك مال قبل أن أستعملك ، فأنّى لك هذا فواللَّه لو لم يهمّني في ذات اللَّه إلَّا من أختان في مال اللَّه لكثر همّي وانتثر أمري ، ولقد كان عندي من المهاجرين الأوّلين من هو خير منك ولكنّي قلَّدتك رجاء غنائك فاكتب إلىّ من أين لك هذا المال وعجّل .
فأجابه عمرو بن العاص : أمّا بعد ، فقد فهمت كتاب أمير المؤمنين فأمّا ما ظهر لي من مال فإنّا قدمنا بلادا رخيصة الأسعار وكثيرة الغزو ، فجعلنا ما أصابنا في الفضول الَّتي اتّصل بأمير المؤمنين نباها واللَّه لو كانت خيانتك حلالا ما خنتك وقد ائتمنتنى فانّ لنا أحسابا إذا رجعنا إليها أغنتنا عن خيانتك ، وذكرت أنّ عندك من المهاجرين الأوّلين من هو خير منّي فإذا كان ذاك فواللَّه ما دققت لك يا أمير المؤمنين بابا ولا فتحت لك قفلا .
فلمّا وصل جوابه إلى عمر كتب إليه ثانيا : أمّا بعد فإني لست من تسطيرك الكتاب وتثقيفك الكلام في شيء ، ولكنكم معشر الامراء قعدتم على عيون الأموال ولن تقدّموا عذرا ، وإنّما تأكلون النّار وتتعجّلون العار ، وقد وجّهت إليك محمّد بن مسلمة فسلَّم إليه شطر مالك .
فأعطى الكتاب محمّد بن مسلمة وبعثه إلى مصر ، فلمّا وصل إلى مصر وحضر عند عمرو بن العاص أحضر له طعاما ، فقال محمّد : لو دعوتني إلى الضّيافة وأحضرت لي طعاما لأكلته ولكن هذا الطَّعام مقدّمة للشرّ فنحّه عنّى واحضر شطر مالك ، ولا مناص لعمرو بن العاص من إطاعة أمر عمر ، فأمر باحضار شطر من ماله من المواشي والذّهب والفضّة وأثاث الدّار وغيرها ، فلمّا نظر إليها رأى خزانة جزيلة فقال تأسّفا : لعن اللَّه زمانا صرت فيه عاملا لعمر ، واللَّه لقد رأيت عمر وأباه على كلّ واحد
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 176
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص١٧٦