قال نصر : وهذا أوّل كتاب كتبه عليّ عليه السّلام إلى عمرو بن العاص فكتب إليه عمرو جوابه : أمّا بعد ، فانّ الَّذي فيه صلاحنا ، وألفة ذات بيننا ، أن تنيب إلى الحقّ ، وأن تجيب إلى ما ندعوكم إليه من الشّورى ، فصبر الرّجل منّا نفسه على الحقّ ، وعذره النّاس بالمحاجزة ، والسّلام .
قال نصر بن مزاحم : فكتب عليّ عليه السّلام إلى عمرو بن العاص بعد ذلك كتابا غليظا وهو الَّذي ضرب مثله فيه بالكلب يتبع الرّجل ، وهو مذكور في نهج البلاغة .
أقول : ما ذكره عن نصر بن مزاحم صريح في أنّ هذا الكتاب موجّه إلى غير معاوية وتذكَّر بالغ لعمرو بن عاص في الرجوع عن غيّه وهربه عن حبالة معاوية فانّه عليه السّلام نبّه على أنّ مشغلة الإنسان على وجهين : 1 - المشغلة الروحانية والهدف الإنساني المجرّد عن الأميال المادّية وهي التقرّب إلى اللَّه وتحصيل رضاه لأداء شكره ورسم العبوديّة تجاه عظمته ثمّ طلب رضوان اللَّه ونيل المثوبات الاخرويّة ومنها رعاية الوجهة الملكيّة والسّماويّة الرّاجعة إلى الرّوح الإنسانيّة الَّتي هي من عالم القدس والتجرّد ، ورعاية الأخلاق السامية البشريّة من طلب العلم والمعرفة وكشف الحقائق الكونيّة ورموز أنوار الوجود المطلق .
2 - المشغلة الدّنيويّة الشاملة لما فيها من الأمور الماديّة المتنوّعة كالمال والجمال والجاه والانانيّة وكلَّما يرجع إلى الغرائز الحيوانيّة من الملادّ والشّهوات والمكاره والأسفات الَّتي منشأها كلتا القوّتين الشهويّة والغضبيّة ، فبيّن عليه السّلام أنّ ما رامه مخاطبه بهذا الكتاب سواء كان عمرو بن عاص كما نصّ عليه نصر بن مزاحم أو معاوية أو غيرهما ممّن يتبعهما محبّ للدّنيا وشئونها من الثّروة والقدرة والجاه ، وبيّن أنّ الدّنيا مشغلة موبقة ومهلكة للشاغل بها وللطالب لها لأنّ صاحب الدّنيا كشارب الماء المالح كلَّما ازداد شربا ازداد عطشا ، وكالمبتلى بمرض الاستسقاء لا يرتوى من شرب الماء .
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 139
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص١٣٩