غفلوا عن طيّبات يحرص عليها البالغون ، واقتصرت بهم المباشرة على طيّبات اللعب صاروا يتعجّبون من أهل الجدّ إذا زورّوا عنها عائفين لها عاكفين على غيرها ، كذلك من غضّ النقص بصره عن مطالعة بهجة الحقّ أعلق كفّيه بما يليه من اللذّات لذّات الزور ، فتركها في دنياه عن كره ، وما تركها إلَّا ليستأجل أضعافها وإنّما يعبد اللَّه تعالى ويطيعه ليخوّله في الآخرة شبعه منها فيبعث إلى مطعم شهىّ ومشرب هنىء ومنكح بهىّ ، وإذا بعثر عنه فلا مطمح لبصره في أولاه واخراه إلَّا إلى لذّات قبقبه وذبذبه ، والمستبصر بهداية القدس في شجون الإيثار قد عرف اللذّة الحقّ وولَّى وجهه سمتها مسترحما على هذا المأخوذ عن رشده إلى ضدّه ، وإن كان ما يتوخاه بكدّه مبذولا له بحسب وعده .
15 - التوبة وهي لا تنفك عمّن استبصر وإلَّا فليس بمستبصر ، ولا أنسى عذوبة كلام سيّدنا الأستاذ محمّد حسن الإلهى المقدّم ذكره قدّس سرّه ، ولطافة بيانه في التوبة حيث قال : التوبة الحقيقيّة أن تتوب من خيرك وشرّك ، وبعد تأمّل قليل قلت له : أمّا التوبة من الشرّ فلا كلام فيها ، وأما التوبة من الخير فما مراد جنابك منها فقال رضوان اللَّه عليه : ما نحسبها خيرا من صلاتنا وصيامنا وقراءتنا القرآن ودراستنا وغيرها لو تأمّلنا فيها لرأيناها مخدجة غير كاملة - وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا - فيجب على المستبصر أن يتوب من هذه الأعمال الناقصة ، وأن يقصد الإتيان بها على النحو الكامل الَّذي يتقبّل اللَّه وانما يتقبّل اللَّه من المتقين ، فما حسبناه خيرا ليس بخير حقيقة ، فطوبى لمن وفّق بالتوبة ممّا حسبه خيرا وعمل ما هو خير واقعا .
والتوبة تذهب بدرن القلب ، وتزيل رينه فإذا يستبصر التائب بدائه ودوائه ويخرج من ذنوبه كيوم ولدته امّه ، قال الإمام الباقر عليه السّلام : التائب من الذنب كمن لا ذنب له ، وإذا تخلَّصت النفس من الرذائل وتنزهت من أوساخ الذنوب فقد قبلت توبته ، وأمّا البحث الكلامي عن التوبة فقد أشبعنا الكلام فيه في شرحنا على المختار 235 من خطب النهج من كتابنا تكملة منهاج البراعة ( ص 171 - إلى - 201
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 350
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٥٠