حديثا ثالثا يقرب منهما معنى ، هذا قرب النوافل الَّذي يدور في ألسنة القوم أي القرب الَّذي يحصل للعبد من النوافل ، وأما قرب الفرائض فقال عزّ وجلّ ما يتقرّب إلىّ عبدي بشيء أحبّ إلىّ ممّا افترضته عليه وما زال يتقرّب إلىّ عبدي بالفرائض حتّى إذا ما احبّه وإذا أحببته كان سمعي الَّذي أسمع به ، وبصري الَّذي أبصر به ، ويدي الَّذي أبطش بها .
فانظر إلى تفاوة القربين ففي الأوّل كان اللَّه سمع العبد وبصره ولسانه ويده ، وفي الثاني كان العبد سمع اللَّه تعالى وبصره ويده ، فالواجبات أكثر ثوابا وأعلى مرتبة من المندوبات بتلك النسبة بين القربين .
قال العلَّامة المحقّق نصير الدين محمّد الطوسي قدّس اللَّه سرّه : العارف إذا انقطع عن نفسه واتّصل بالحقّ رأى كلّ قدرة مستغرقة في قدرته المتعلقة بجميع المقدورات ، وكلّ علم مستغرقا في علمه الذي لا يعزب عنه شيء من الموجودات وكلّ إرادة مستغرقة في إرادته الَّتي لا يتأبّى عنها شيء من الممكنات ، بل كلّ وجود وكلّ كمال وجود فهو صادر عنه ، فائض من لدنه فصار الحق حينئذ بصره الَّذي به يبصر ، وسمعه الَّذي به يسمع ، وقدرته الَّتي بها يفعل ، وعلمه الَّذي به يعلم ، ووجوده الَّذي به يوجد فصار العارف حينئذ متخلقا بأخلاق اللَّه بالحقيقة .
نقلنا كلامه من الرابعة من الرابعة من قرّة العيون للفيض رضوان اللَّه عليه وفي الثالثة من السابعة من ذلك الكتاب : قال بعض العارفين إذا تجلَّى اللَّه سبحانه بذاته لأحد يرى كلّ الذوات والصفات والأفعال متلاشية في أشعّة ذاته وصفاته وأفعاله يجد نفسه مع جميع المخلوقات كأنّها مدبّرة لها وهي أعضاؤها لا يلمّ بواحد منها شيء إلَّا ويراه ملما به ، ويرى ذاته الذات الواحدة وصفته صفتها وفعله فعلها لاستهلاكه بالكليّة في عين التوحيد ، ولمّا انجذب بصيرة الروح إلى مشاهدة جمال الذات استتر نور العقل الفارق بين الأشياء في غلبة نور الذات القديمة وارتفع التميز بين القدم والحدوث لزهوق الباطل عند مجيء الحقّ ، ويسمّى هذه الحالة جمعا ، ولصاحب
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 322
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٢٢