وقال تعالى : * ( « فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّه فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً ولا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّه أَحَداً » ) * ( آخر الكهف ) .
ثمّ تأمّل تأمّلا كاملا في قوله تعالى : * ( « لَيْسَ لِلإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى » ) * ، فإن ما هو خارج عن ذاتك ليس لك حقيقة بل له ارتباط مّا إليك فاسع إلى ما هو لك بل هو أنت وأنت هو على الحقيقة لما ثبت بالبراهين العقلية المعاضدة بالأدلة النقلية من اتّحاد العاقل بمعقوله ، ونعم ما أفاده الشّيخ أبو علي الرئيس رضوان اللَّه عليه في النمط الثامن من كتاب الإشارات : كمال الجوهر العاقل أن يتمثل فيه جليّة الحقّ الأوّل قدر ما يمكنه أن ينال منه ببهائه الَّذي يخصّه ثمّ يتمثل فيه الوجود كلَّه على ما هو عليه مجردا عن الشوب مبتدأ فيه بعد الحقّ الأوّل بالجواهر العقليّة العالية ثمّ الرّوحانيّة السماوية ثمّ ما بعد ذلك تمثّلا لا يمايز الذات .
فاعلم أنّ الخبر ليس كالمعاينة ، والعلم بالشيء غير النيل لوصوله ووجدانه وحصوله ، ولا يبلغ مرتبة علم اليقين مرتبة عين اليقين فضلا عن مرتبة حقّ اليقين بل الأوّل دون الثاني بمراحل والثاني دون الثالث بمنازل ، قال الشّيخ الرئيس قدّس سرّه في أواخر النمط التاسع من كتاب الإشارات : من أحبّ أن يتعرّفها - يعني أن يتعرّف الدرجات الَّتي يجدها السالك - فليتدرّج إلى أن يصير من أهل المشاهدة دون المشافهة ومن الواصلين إلى العين دون السامعين للأثر .
وقال الخواجة نصير الدين الطوسي رضوان اللَّه عليه في الشرح بعد كلام في الدرجات : واعلم أنّ العبارة عن هذه الدرجات غير ممكنة لأنّ العبارات موضوعة للمعاني الَّتي يتصوّرها أهل اللغات ثمّ يحفظونها ثمّ يتذكرونها ثمّ يتفاهمونها تعليما وتعلَّما ، أما الَّتي لا يصل إليها إلَّا غائب عن ذاته فضلا عن قوى بدنه فليس يمكن أن يوضع لها ألفاظ فضلا عن أن يعبّر عنها بعبارة ، وكما أنّ المعقولات لا تدرك بالأوهام والموهومات لا تدرك بالخيالات والمتخيلات لا تدرك بالحواس كذلك ما من شأنه أن يعاين بعين اليقين فلا يمكن أن تدرك بعلم اليقين فالواجب على من يريد ذلك أن يجتهد في الوصول إليه بالعيان دون أن يطلبه بالبرهان .
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 286
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٨٦