سمعوا كلمة هو علموا أنّه الحقّ تعالى لأنّ غيره غير موجود بذاته وما هو غير موجود بذاته فلا إشارة إليه بالذات .
والمقام الثاني مقام أصحاب اليمين وهؤلاء شاهدوا الحقّ موجودا والخلق أيضا موجودا فحصلت كثرة في الموجودات فلا جرم لم يكن هو كافيا في الإشارة إلى الحقّ بل لا بدّ هناك من مميّز يميّز الحقّ عن الخلق فهؤلاء احتاجوا إلى أن يقرن لفظة اللَّه بلفظة هو فقيل لأجله هو اللَّه لأنّ اللَّه هو الموجود الَّذي يفتقر إليه ما عداه وهو مستغن عن كلّ ما عداه فيكون أحدىّ الذات لا محالة إذ لو كان مركبّا كان ممكنا محتاجا إلى غيره فلفظة الجلالة دال على الأحديّة من غير اقتران إلى لفظ أحد به .
المقام الثالث مقام أصحاب الشمال وهو أدون المقامات وأخسّها وهم الَّذين يجوزون كثرة في واجب الوجود أيضا كما في أصل الوجود فقورن لفظ أحد بكلمة اللَّه ردّا عليهم وابطالا لمقالهم فقيل : قل هو اللَّه أحد .
وههنا بحث آخر أدق وأشرف وهو أنّا نقول كلّ ماله مهيّة غير انيّته فلا يكون هو هو لذاته وكلَّما يكون مهيّته عين هويته وحقيقته نفس تعيّنه فلا اسم ولا حدّ له ولا يمكن شرحه إلَّا بلوازمه الَّتي يكون بعضها إضافيّة وبعضها سلبيّة والأكمل في التعريف ما يجمع ذينك النوعين جميعا وهو كون تلك الهويّة إلها فإنّ الالهيّة يقتضى أن ينسب إليه غيره ولا ينسب هو إلى غيره ، والمعنى الأوّل إضافي ، والثاني سلبى فلا جرم ذكر اللَّه عقيب قوله هو .
ثمّ اعلم أنّ الَّذي لا سبب له وإن لم يكن تعريفه بالحدّ إلَّا أنّ البسيط الَّذي لا سبب له وهو مبدء الأشياء كلَّها على سلسلة الترتيب النازل من عنده طولا وعرضا فمن البيّن أنّ ما هو أقرب المجعولات إليه بل اللَّازم الأقرب المنبعث عن حاق الملزوم إذا وقع التعريف كان أشدّ تعريفا من غيره ، وأقرب اللوازم له تعالى كونه واجب الوجود غنيّا عمّا سواه وكونه مبدءا ومفتقرا إليه الجميع ومجموع هذا الأمرين هو معنى الالهيّة فلأجل ذلك وقع قوله اللَّه عقيب هو
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 277
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٧٧