فانّ الصمد هو الواحد الجامع ، ثمّ استدل عليه بأنّه لم يلد ولم يولد أي لم يخرج عنه شيء ولم يخرج عن شيء ليكون ناقصا بخروج الشيء عنه أو بخروجه عن شيء فأحديّته بسلب تعيّنات الأشياء عنه ، وصمديّته تثبت باندماج حقائقها فيه . انتهى كلامه .
قلت : ما أفاده قدّس سرّه شريف متين جدّا وتجد في تلك المعاني الدقيقة الفائضة من عرش التحقيق إشارات أنيقة من أئمّة الدّين صلوات اللَّه عليهم أجمعين ومن تأمّل في الجوامع الروائيّة الإماميّة رأى بالعيان أنّ أصل العرفان تنشبّت عروقه فيهم ، وتهدّلت غصونه عليهم إلَّا أنّ الجهلة من المتصوّفة وأشباه العرفاء ولا عرفاء إنّما ردّوا النّاس عن الدّين القهقرى ، وما سمعت من كلام هذا العارف الجليل في « هو » مأخوذ من خزنة العلم وعيب أسرار اللَّه ، فقد روى أبو جعفر الصدوق رضوان اللَّه عليه في باب تفسير * ( « قُلْ هُوَ الله » ) * من كتابه التوحيد بإسناده عن أبي البختري وهب بن وهب القرشي ، عن أبي عبد اللَّه الصّادق جعفر بن محمّد ، عن أبيه محمّد بن عليّ الباقر عليهم السّلام في قول اللَّه تبارك وتعالى : * ( « قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ » ) * : قال : « قل » أي أظهر ما أوحينا إليك ونبّأناك به بتأليف الحروف الَّتي قرأتها لك ليهتدى بها من ألقى السمع وهو شهيد ، و « هو » اسم مكنّى مشار إلى غائب فالهاء تنبيه على معنى ثابت ، والواو إشارة إلى الغائب عن الحواس ، كما أنّ قولك : هذا إشارة إلى الشاهد عند الحواسّ ، وذلك أنّ الكفّار نبّهوا عن آلهتهم بحرف إشارة الشاهد المدرك ، فقالوا : هذه آلهتنا المحسوسة المدركة بالأبصار فأشر أنت يا محمّد إلهك الَّذي تدعو إليه حتّى نراه وندركه ولا نأله فيه ، فأنزل اللَّه تبارك وتعالى : * ( « قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ » ) * فالهاء تثبيت للثابت ، والواو إشارة إلى الغائب عن درك الأبصار ولمس الحواسّ ، وأنّه تعالى عن ذلك ، بل هو مدرك الأبصار ومبدع الحواس ، حدّثني أبي ، عن أبيه ، عن أمير المؤمنين عليه السّلام قال : رأيت الخضر عليه السّلام في المنام قبل بدر بليلة ، فقلت له : علَّمني شيئا أنصر به على الأعداء ، فقال : قل : يا هو يا من لا هو إلَّا هو ، فلما أصبحت قصصتها على رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله ، فقال لي : يا عليّ علَّمت الاسم الأعظم ، فكان على لساني يوم بدر
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 273
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٧٣