تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 260

مساهمون:

ص٢٦٠
بل هي وحدانية العدد موجودة بوجود واحد بسيط من كل وجه إذ كل منها عين ذاته فلو تعددت لزم كون الذات الواحدة ذواتا تعالى اللَّه عن ذلك علوا كبيرا . وهذا معنى قولهم واجب الوجود بالذات واجب الوجود من جميع الجهات فجميع صفاته الإيجابيّة عين ذاته من غير لزوم تكثر . فإن قلت : كيف تكون صفاته عين ذاته ومفهوم الصفة غير مفهوم الذات وأيضا فإنّ مفهوم كلّ صفة غير مفهوم صفة أخرى فكيف تتّحد بالذات . قلت : قد تكون المفهومات المتعدّدة موجودة بوجود واحد فالصفات بحسب المفهوم وإن كانت غير الذات وبعضها يغاير بعضها إلَّا أنها بحسب الوجود ليست أمرا وراء الذات أعنى أنّ ذاته الأحدية تعالى شأنه هي بعينها صفاته الذاتية بمعنى أنّ ذاته بذاته وجود وعلم وقدرة وحياة وسمع وبصر ، وهي أيضا موجود عالم قادر حىّ سميع بصير يترتّب عليها آثار جميع الكمالات ويكون هو من حيث ذاته مبدء لها من غير افتقار إلى معان اخر قائمة به تسمّى صفاتا تكون مصدرا للآثار لمنافاته الوحدة والغناء الذاتيين والاختصاص بالقدم فذاته صفاته وصفاته ذاته لا زائدة عليها كصفات غيره من المخلوقين فإنّ العلم مثلا في غيره سبحانه صفة زائدة على ذاته مغايرة للسمع فيه وفيه نفسه تعالى وهو بعينه سمعه وقس على ذلك سائر الصفات الثبوتية . فتبيّن أنّ المراد بقصر وحدانية العدد عليه تعالى هذا المعنى المخالف لصفات من سواه وحالاته فانّها كيفيات نفسانيّة انفعاليّة وحالات متغايرة ومعان مختلفة له إذ كان يسمع بغير ما يبصر ، ويبصر بغير ما يسمع إلى غير ذلك من صفاته المتعدّدة المتكثّرة الَّتي توجب اختلاف الحالات والتنقل في الصفات وبالجملة فمعنى قصر وحدانية العدد عليه سبحانه نفى التعدّد والتكثّر والاختلاف عن الذات والصفات على الاطلاق ، وهذا المعنى مقصور عليه تعالى لا يتجاوزه إلى غيره ، واللَّه أعلم بمقاصد أوليائه ، وفي المقام كلام طويل طويناه على عزّه . انتهى كلامه رفع مقامه .