تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠
إنّما يتوقّف على معرفة اللَّه بحسب الوسع والطاقة ، وإنّما كلَّفوا أن يعرفوه بالصفات الَّتي ألفوها وشاهدوها فيهم مع سلب النقائص الناشئة عن انتسابها إليهم . ولما كان الإنسان واجبا بغيره عالما قادرا مريدا حيّا متكلَّما سميعا بصيرا كلَّف بأن يعتقد تلك الصفات في حقّه تعالى مع سلب النقائص الناشئة عن انتسابها إلى الإنسان بأن يعتقد أنه تعالى واجب لذاته لا بغيره ، عالم بجميع المعلومات قادر على جميع الممكنات وهكذا في سائر الصفات ، ولم يكلَّف باعتقاد صفة له تعالى لا يوجد فيه مثالها ومناسبها ، ولو كلَّف به لما أمكنه تعقّله بالحقيقة ، وهذا أحد معاني قوله عليه السّلام : من عرف نفسه فقد عرف ربّه ، انتهى كلامه . واعلم أنّ تلك المعرفة الَّتي يمكن أن تصل إليها أفهام البشر لها مراتب متخالفة ودرج متفاوتة ، قال المحقّق الطوسي طاب ثراه في بعض مصنفاته : إنّ مراتبها مثل مراتب معرفة النار مثلا فإنّ أدناها من سمع أنّ في الوجود شيئا يعدم كلّ شيء يلاقيه ، ويظهر أثره في كلّ شيء يحاذيه ، وأىّ شيء اخذ منه لم ينقص منه شيء ويسمّى ذلك الموجود نارا ، ونظير هذه المرتبة في معرفة اللَّه تعالى معرفة المقلَّدين الَّذين صدّقوا بالدين من غير وقوف على الحجّة . وأعلى منها مرتبة من وصل إليه دخان النار وعلم أنّه لا بدّ له من مؤثّر فحكم بذات لها أثر هو الدّخان ، ونظير هذه المرتبة في معرفة اللَّه تعالى معرفة أهل النظر والاستدلال الذين حكموا بالبراهين القاطعة على وجود الصانع . وأعلى منها مرتبة من أحسّ بحرارة النار بسبب مجاورتها وشاهد الموجودات بنورها وانتفع بذلك الأثر ، ونظير هذه المرتبة في معرفة اللَّه تعالى سبحانه معرفة المؤمنين الخلَّص الَّذين اطمأنّت قلوبهم باللَّه وتيقّنوا أنّ اللَّه نور السماوات والأرض كما وصف به نفسه . وأعلى منها مرتبة من احترق بالنّار بكليّته وتلاشى فيها بجملته ، ونظير هذه المرتبة في معرفة اللَّه تعالى معرفة أهل الشهود والفناء في اللَّه وهي الدرجة العليا والمرتبة القصوى رزقنا اللَّه الوصول إليها والوقوف عليها بمنّه وكرمه ، انتهى
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 200 | حبيب الله الهاشمي الخوئي / سيد إبراهيم الميانجي