وتبصّر ممّا قدّمنا أنّه ما من موجود إلَّا وهو علم الحقّ تعالى لأنّ علمه بما سواه حضوري إشراقي ، لم يعزب عن علمه مثقال ذرّة .
وأفاد العلامة الشّيخ البهائي في شرح الحديث الثاني من كتابه الأربعين : المراد بمعرفة اللَّه تعالى الإطَّلاع على نعوته وصفاته الجلالية والجماليّة بقدر الطاقة البشرية ، وأما الإطَّلاع على حقيقة الذات المقدّسة فممّا لا مطمع فيه للملائكة المقرّبين والأنبياء المرسلين فضلا عن غيرهم ، وكفى في ذلك قول سيّد البشر صلى اللَّه عليه وآله : ما عرفناك حقّ معرفتك ، وفي الحديث إنّ اللَّه احتجب عن العقول كما احتجب عن الأبصار وإنّ الملاء الأعلى يطلبونه كما تطلبونه أنتم .
فلا تلتفت إلى من يزعم أنّه قد وصل إلى كنه الحقيقة المقدّسة بل احث التراب في فيه فقد ضلّ وغوى وكذب وافترى فإنّ الأمر أرفع وأطهر من أن يتلوّث بخواطر البشر ، وكلَّما تصوّره العالم الراسخ فهو عن حرم الكبرياء بفراسخ ، وأقصى ما وصل إليه الفكر العميق فهو غاية مبلغه من التدقيق وما أحسن ما قال :
آنچه پيش تو غير از آن ره نيست
غايت فهم تست اللَّه نيست
بل الصفات الَّتي تثبتها له سبحانه إنّما هي على حسب أو هامنا وقدر أفهامنا فإنّا نعتقد اتّصافه سبحانه بأشرف طرفي النقيض بالنظر إلى عقولنا القاصرة وهو تعالى أرفع وأجلّ من جميع ما نصفه به .
وفي كلام الإمام أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر عليه السّلام إشارة إلى هذا المعنى حيث قال : كلَّما ميّزتموه بأوهامكم في أدقّ معانيه مخلوق مصنوع مثلكم مردود إليكم ولعل النّمل الصغار تتوهّم أنّ للَّه تعالى زبانيتين فإنّ ذلك كمالها ، وتتوهّم أنّ عدمهما نقصان لمن لا يتّصف بهما وهكذا حال العقلاء فيما يصفون اللَّه تعالى به .
انتهى كلامه صلوات اللَّه عليه وسلامه .
قال بعض المحقّقين - يعني به المولى الجلال الدواني - : هذا كلام دقيق رشيق أنيق صدر من مصدر التّحقيق ومورد التّدقيق ، والسرّ في ذلك أنّ التكليف