قمنا إليه قيام رجل واحد فلا يفارقه حتّى يقتله . قال : فأقبلت فاطمة عليهما السّلام حتّى دخلت عليه صلَّى الله عليه وآله فأخبرته بقولهم وقالت له لو قد رأوك لقتلوك وليس منهم رجل إلَّا وقد عرف نصيبه من دمك ، فقال : يا بنيّ أريني وضوءا فتوضّا ثمّ دخل عليهم المسجد فلمّا رأوه غضّوا أبصارهم ثمّ قالوا : هو ذا ، ثمّ لم يقم إليه منهم أحد فأقبل صلَّى الله عليه وآله حتّى قام على رؤوسهم فأخذ قبضة من تراب فحصيهم بها وقال : شاهت الوجوه ، فما أصاب رجل منهم شيء إلَّا قتل يوم بدر كافرا . قال أبو جعفر الطبريّ : حدّثنا ابن حميد قال : حدّثنا سلمة عن محمّد بن إسحاق ( 1 ) قال : لمّا رأى رسول الله صلَّى الله عليه وآله ما يصيب أصحابه من البلاء وما هو فيه من العافية بمكانه من الله وعمّه أبي طالب وأنّه لا يقدر أن يمنعهم ممّا هم فيه من البلاء قال لهم : لو خرجتم إلى أرض الحبشة فانّ بها ملكا لا يظلم أحد عنده وهي أرض صدق حتّى يجعل الله لكم فرجا ممّا أنتم فيه . فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وآله إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة وفرارا إلى الله عزّ وجلّ بدينهم ، فكانت أوّل هجرة كانت في الاسلام إلى أن قال : ولمّا استقرّ بالَّذين هاجروا إلى أرض الحبشة القرار بأرض النجاشي واطمأنّوا تامرت قريش فيما بينها في الكيد بمن ضوى إليها من المسلمين ، فوجّهوا عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي إلى النجاشي لتسليم من قبله وبأرضه من المسلمين إليهم ، فشخص عمرو وعبد الله إليه في ذلك فنفذا لما أرسلهما إليه قومهما فلم يصلا إلى ما أمّل قومهما من النجاشي ، فرجعا مقبوحين وأسلم عمر بن الخطَّاب . فلمّا أسلم وكان رجلا جلدا جليدا منيعا ، وكان قد أسلم قبل ذلك حمزة بن عبد المطلَّب ووجد أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وآله في أنفسهم قوّة وجعل الإسلام يفشو في القبائل ، وحمى النجاشي من ضوى إلى بلده منهم .
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 350
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٥٠
هامش
( 1 ) ونقله ابن هشام عن ابن إسحاق في السيرة ص 321 ج 1 .