فلو كانت الأشاعرة عنوا من قولهم هذا المعنى أعني ذلك الكشف التامّ الذي بيّنه ذلك البعض ، فنعم الوفاق ، وإلَّا فلا يتصوّر منه إلَّا الرؤية بالبصر وهو باطل عقلا وسمعا ، ولكن قد عرفت أنّ هذا المعنى اللَّطيف الصحيح ليس بمراد الأشعري وأتباعه كما صرّح به الرّجلان والشهرستاني في الملل وغيرهم .
ثمّ إنّ حمل الحائطيّة والحدثيّة خبر رؤية الباري تعالى مثل قوله صلَّى الله عليه وآله « إنّكم سترون ربّكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته » وأشباهه على رؤية العقل الأوّل كما نقل عنهما الشهرستانيّ في الملل على ما قدّمنا آنفا فليس بصحيح أيضا .
وذلك لأنهما حملا كلمة الربّ في الحديث على العقل الأوّل من حيث إنه مربّ لما دونه من الموجودات وهذا لا بأس به كما برهن في محلَّه أنّ لكلّ نوع من الأمور الَّتي تلينا فردا مجرّدا عقلانيّا على صورته يسمّى ربّ ذلك النوع وهو تعالى ربّ أرباب النوعيّات ، ولكنّهما أخطئا في هذا الرأي أيضا من حيث إنهما اختاراه حذرا من الإشكال الوارد على ظاهر الحديث أعني ما يتبارد إليه الذّهن من أنّ كلمة الرّبّ هو الله تعالى ربّ العالمين وقد كرّا إلى ما فرّا منه ، لأنّ العقل الأوّل لا يمكن رؤيته بالأبصار ، لأنّه من الموجودات النوريّة المحضة والمجرّدات الصرفة ، والمفارقات مطلقا سواء كانوا عقولا أو نفوسا لا يمكن رؤيتهم بالأبصار ، لأنّهم ليسوا بجسم ولا جسمانيّ ، وليس لهم جهة وكثافة وثقل وغيرها من أوصاف الجسم .
على أنّ الأجسام المشفّة وكثيرا من الأعراض مع كونها في جهة لا ترى وحكم بما أشرنا إليه العقل وعاضده الشرع ، فقد قام البرهان على أنّ الصادر الأوّل لا يكون إلَّا عقلا ، والعقل لا يكون إلا مجرّدا . وقد قال الله تعالى : * ( « ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَه ُ عَلى رَسُولِه ِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها » ) * ( التوبة - 26 ) وقال تعالى : * ( « فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَه ُ عَلَيْه ِ وَأَيَّدَه ُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها » ) * ( التوبة - 40 ) وقال تعالى : * ( « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 262
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٦٢