والأخبار التي ذكرها أحمد بن محمّد بن عيسى في نوادره والَّتي أوردها محمّد بن أحمد بن يحيى في جامعه في معنى الرّؤية صحيحة لا يردّها إلا مكذّب بالحقّ أو جاهل به ، وألفاظها ألفاظ القرآن ، ولكلّ خبر منها معنى ينفي التشبيه والتعطيل ويثبت التوحيد وقد أمرنا الأئمّة صلوات الله عليهم أن لا نكلَّم الناس إلَّا على قدر عقولهم .
ومعنى الرّؤية الواردة في الأخبار العلم ، وذلك أنّ الدّنيا دار شكوك وارتياب وخطرات فإذا كان يوم القيامة كشف للعباد من آيات الله وأموره في ثوابه وعقابه ما يزول به الشكوك ويعلم حقيقة قدرة الله عزّ وجلّ ، وتصديق ذلك في كتاب الله عزّ وجلّ : * ( « لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ » ) * ( ق - 22 ) .
فمعنى ما روي في الحديث أنه عزّ وجلّ يرى أي يعلم علما يقينيّا كقوله عزّ وجلّ * ( « أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ » ) * ( الفرقان - 45 ) وقوله تعالى : * ( « أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّه ِ » ) * ( البقرة - 258 ) وقوله تعالى : * ( « أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ » ) * ( البقرة - 243 ) وقوله تعالى : * ( « أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ » ) * ( الفيل - 2 ) وأشباه ذلك من رؤية القلب وليست من رؤية العين . إلى آخر ما أفاد قدّس سرّه وإنّما نقلنا موضع الحاجة من كلامه .
أقول : قوله - ره - فيكفر بالله عزّ وجلّ وهو لا يعلم ، كأنّما أراد به المعنى الثاني من المعنيين المتقدّمين فلا بأس أن يجعل كلامه في التوحيد قرينة على حمل كلامه في الاعتقادات على ذلك أيضا ، أي ومن قال بالتشبيه فهو مشرك وهو لا يعلم .
فنقول : إنّ ما يدرك بالقوّة الباصرة لا بدّ من أن يكون جسما كثيفا ، لأنّ للرّؤية شروطا .
فمنها أن يكون المرئيّ مقابلا للرائي أو في حكم المقابل ، والثاني كرؤية
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 251
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٥١