تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
إلَّا وأنا أطمع أن تلحق بي طائفة فتهتدى بي وتعشو إلى ضوئي ، وذلك أحبّ إلىّ من أن اقتلها على ضلالها وإن كانت تبوء باثامها ، وكان حصول هذا الغرض بالرّفق والمداراة والحلم وكظم الغيظ لا بالغلظة والخشونة والسّبّ واللَّعنة ، لا جرم منعهم من السبّ لئلَّا يبعث على شدّة العناد ومزيد العداوة . والى ذلك يومى ما رواه في الكافي عن أبي بصير عن أبي جعفر عليه السّلام قال : إنّ رجلا من بني تميم أتى النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم فقال : أوصني ، فكان فيما أوصاه أن قال : لا تسبّوا الناس فتكسبوا العداوة بينهم . ويدل على ذلك صريحا قوله تعالى في سورة بني إسرائيل * ( وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً ) * أي انّ الشيطان يفسد بينهم ويغرى بعضهم ببعض ويلقى بينهم العداوة . قال في الصافي في تفسير الآية : قل لعبادي يعني المؤمنين يقولوا للمشركين الكلمة التي هي أحسن ولا يخاطبوهم بما يغيظهم ويغضبهم إنّ الشيطان يهيج بينهم المراء والشرّ ، فلعلّ المخاشنة بهم يفضي إلى العناد وازدياد الفساد . وقال تعالى أيضا في سورة السجدة * ( وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَه ُ عَداوَةٌ كَأَنَّه ُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٌّ ) * قال في مجمع البيان : لا تستوى الخصلة الحسنة والسيئة ، فلا يستوى الصبر والغضب والحلم والمداراة والغلظة والعفو والإسائة ، ثمّ بيّن سبحانه ما يلزم على الدّاعي من الرّفق بالمدعوّ فقال : ادفع بالتي هي أحسن ، خاطب النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم فقال : ادفع بحقك باطلهم وبحلمك جهلهم وبعفوك اسائتهم ، فإنك إذا دفعت خصومك بلين ورفق ومداراة صار عدوّك الذي يعاديك في الدّين بصورة وليّك القريب فكأنه وليّك في الدّين وحميمك في النسب ، وما يلقّيها أي ما يلقّي هذه الفعلة وهذه الحالة التي هي دفع السيئة بالحسنة إلَّا الذين صبروا على كظم الغيظ واحتمال المكروه ، وما يلقّيها أي هذه الخصلة الَّا ذو نصيب وافر من العقل والرّأى . وقال تعالى أيضا في سورة الشورى * ( وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ) *