لبعض الصوفيّة من أهل الإباحة أنّ التّكليف بالأفعال الشاقّة البدنيّة يشغل الباطن عن التفكر في معرفة اللَّه وما يجب له من الصفات ويجوز ويمتنع عليه من الأفعال ، ولا شكّ أنّ المصلحة المتوّقعة من هذا الغايب وهو النظر فيما ذكر تربى أي تزيد وتفضل على ما يتوّقع ممّا كلَّف به فكان ممتنعا عقلا .
والجواب أنّ ذلك أي التفكر في معرفة اللَّه وصفاته وأفعاله أحد أغراض التّكليف بل هو العمدة الكبرى منها وساير التّكاليف معينة عليه داعية إليه ووسيلة إلى اصلاح المعاش المعين على صفاء الأوقات عن المشوّشات الَّتي تربي شغلها عن شغل التكاليف وقال في المقصد السادس من المرصد الخامس من الموقف الأوّل منه : ان قلت : لا نسلَّم أنّ المعرفة لا تتمّ إلَّا بالنظر كما ادّعيتم بل قد تحصل بالتصفية فانّ رياضة النفس بالمجاهدات وتجريدها عن الكدورات البشريّة والعوائق الجسدية والتوجّه إلى الحضرة الصّمدية والتزام الخلوة والمواظبة على الذّكر والطاعة تفيد العقائد الحقّة الَّتي لا يحوم حولها شائبة رائبة ، وأما أصحاب النظر فيعرض لهم في عقايدهم الشّكوك والشّبهات النّاشئة من أدلَّة الخصم .
قلنا : هي يحتاج إلى معونة النظر ألا ترى أنّ رياضة المبطلين من اليهود والنصارى يؤدّيهم إلى عقايد باطلة ، فلابدّ من الاستعانة بالنظر أو قلنا المراد أنّه لا مقدور لنا من طرق المعرفة إلَّا النظر فانّ التّصفية كما هو حقّها تحتاج إلى مجاهدات شاقّة ومخاطرات كثيرة قلَّما يفي من المزاج فهي في حكم ما لا يكون مقدورا .
ومنهم الفخر الرازي في المسألة الحادية والثلاثين في النّبوّة من كتابه المسمّى بالأربعين قال : اعلم أنّ الَّذين ينكرون نبوّة محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم طوايف ، ثمّ تعرّض لذكرها إلى أن قال : الطايفة السادسة جمع من الصوفيّة يقولون : الاشتغال بغير اللَّه حجاب عن
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 407
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٤٠٧