تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 402

مساهمون:

ص٤٠٢
ومن الناس من يزعم أنّه بلغ في التصوّف والتأله حدّا يقدر معه أن يفعل ما يريد بالتوجّه ، وأنّه يسمع دعاؤه في الملكوت ، ويستجاب نداؤه في الجبروت تسمّى بالشيخ والدرويش ، وأوقع الناس بذلك في التشويش ، فيفرطون فيه أو يفرّطون فمنهم من يتجاوز به حدّ البشر ، وآخر يقع فيه بالسوء والشرّ ، يحكى من وقايعه ومناماته ما يوقع الناس في الرّيب ، ويأتي في اخباره بما ينزل منزلة الغيب ، وربّما تسمعه يقول : قتلت البارحة ملك الروم ، ونصرت فئة العراق ، وهزمت سلطان الهند ، وقلبت عسكر النّفاق ، أو صرعت فلانا يعنى به شيخا آخر نظيره ، أو أفنيت بهمانا يريد به من لا يعتقد فيه إنّه لكبيره ، وربّما تراه يقعد في بيت مظلم يسرج فيه أربعين يوما ، يزعم أنّه يصوم صوما ، ولا يأكل فيه حيوانا ولا ينام نوما ، وقد يلازم مقاما ، يردّد فيه تلاوة سورة أيّاما ، يحسب أنّه يؤدّى بذلك دين أحد من معتقديه ، أو يقضى حاجة من حوائج أخيه ، وربّما يدّعى أنه سخر طايفة من الجنّة ، ووقى نفسه أو غيره بهذه الجنّة * ( أَفْتَرى عَلَى ا للهِ كَذِباً أَمْ بِه ِ جِنَّةٌ ) * انتهى كلامه . أقول : هذه الكلمات كما ترى تنادى بأعلا صوتها على طهارة ذيل هذا الفاضل البارع من دنس التصنّع والتصوّف ، وبراءة ساحته من الانحراف والتصلَّف ، ومثلها كلمات له أخرى تركنا حكايتها حذرا من الاطناب . إلَّا أنّه في أكثر كتبه سلك مسلك الصوفية وجرى على قواعدهم لا سيّما في كتابه المسمّى باللَّئالى ، وذكر فيه تفصيل الحضرات الخمسة الَّتي هي من مصطلحات الصوفيّة ومخترعاتهم ، وأوّل بعض الأخبار والأدعية إلى ما أوردها هناك ، ولا حاجة بنا إلى ايرادها . ومن أجل كون كلامه وحديثه ذا فنون وشجون اختلف العلماء المعاصرون له والمتأخّرون عنه في مدحه وقدحه وتعديله وجرحه ، حتّى أفرط بعضهم فنسبه إلى الكفر أو ما يشارف الكفر . منهم الشيخ علىّ المعاصر له سبط الشهيد الثاني « قد » فقد نسب إليه في ذيل