العالم وحدود تلك الصور إلَّا كذلك .
وقوله : وكذلك من شبّهه آه عطف على ما سبق أي كما أنّ التنزيه بدون التشبيه عين التحديد والتقييد ومستلزم للجهل ، فكذلك العكس فمن شبّهه ولم ينزّهه فقد قيّده بما يقتضيه التشبيه وحدّده بحدود المظاهر ، فلم يعرّفه حقّ المعرفة لخلوّ معرفته من التنزيه ، فالعارف من جمع بين التنزيه والتشبيه ووصفه بهما على الاجمال لأنّ معرفة صور العالم التي نقيضها التشبيه غير ممكنه تفصيلا حسبما عرفت ، هذا محصّل كلامه وقد عرفت فساده بما لا مزيد عليه .
وقالا في الفصّ الهودى وشرحه : « وما رأينا قطَّ من عند اللَّه تعالى في حقّه تعالى في آية أنزلها أو اخبار عنه أوصله إلينا فيما يرجع إليه إلَّا بالتحديد تنزيها كان أو غير تنزيه أوّلها العماء الذي ما فوقه هواء ولا تحته هواء وكان الحقّ فيه قبل أن يخلق الخلق » .
أي أول ذلك التحديد هو المرتبة العمائية التي أشار إليها النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم عند سؤال الأعرابي أين كان ربّنا قبل أن يخلق الخلق قال : كان في عماء ما فوقه هواء ولا تحته هواء ، وانما كان العماء أول التحديدات لأنه لغة عبارة عن الضباب وفي اصطلاح أهل اللَّه عبارة عن أول تعين ظهر للحقّ بحسب اسمه الجامع الإلهي ، وكلاهما محدودان ، وهذه المرتبة هي مرتبة الانسان الكامل فإنه أول ما تعيّن ظهر بالصورة المحمّدية صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ثمّ فصّلها فخلق منها أعيان العالم علما وخارجا .
« ثمّ ذكر انه استوى على العرش فهذا تحديد أيضا » لأنّ الاستواء عليه ظهور الاسم الرّحماني في صورة العرشيّة وهو أيضا تحديد لأنّه يتعيّن فيظهر فيها .
« ثمّ ذكر انّه ينزل إلى السماء الدّنيا فهذا تحديد » أي ذكر الحقّ بلسان نبيّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم انّ اللَّه ينزل كلّ ليلة إلى السماء الدّنيا فيقول : هل من تائب فأتوب عليه هل من مستغفر . فأغفر له والنّزول إلى المقام المعيّن تحديد .
« ثمّ ذكر انّه في السّماء وانّه في الأرض » كما قال : * ( وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِله ٌ وَفِي الأَرْضِ إِله ٌ ) * ، وكونه في السّماء وفي الأرض تحديد .
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 201
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٠١