فقال : ما يصنع اليوم قيل : في البيت يعبد ربّه قال : فمن أين قوته قيل : من عند بعض إخوانه فقال أبو عبد اللَّه عليه السّلام : واللَّه الذي يقوته أشدّ عبادة منه .
وفيه عن أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السّلام قال : من طلب الدنيا استعفافا عن الناس وسعيا على أهله وتعطفا على جاره لقى اللَّه عزّ وجلّ يوم القيامة ووجهه مثل القمر ليلة البدر .
ثمّ أنكر عليه ثانيا بقوله ( أترى اللَّه أحلّ لك الطيّبات ) من الرزق والفاخرات من اللَّباس ( وهو يكره أن تأخذها ) ونبّه بهذه الجملة الانكاريّة على أنّ التخلية من الدّنيا بالكليّة ليست مطلوبة للشّارع ، لأنّها توجب اختلال نظام العالم ، وفيه نقض لغرض الشّارع ومقصوده الذي هو عمارة الأرض وبقاء النّوع الانساني حينا من الدّهر ومدّة من الزّمان الَّتي اقتضت الحكمة الالهيّة والمشيّة الرّبانية بقائه إلى تلك المدّة ليعبدوه ويوحّدوه سبحانه فيها ، لأنّ التّعمير والتمدّن وبقاء النوع لا يحصل ولا يتمّ إلَّا بتعاون أبناء النّوع وتشاركهم على القيام بمصالح البقاء ولوازمه وترك الدّنيا والاعراض عنها مناف لذلك الغرض البتّة ، هذا .
وفي قوله عليه السّلام : أترى اللَّه أحلّ لك الطيّبات ، تلميح إلى قوله عزّ وجلّ * ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ا للهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِه ِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ ) * أي من حرّم الثّياب الَّتي تتزّين بها الناس وساير ما يتجمّل به مما أخرجها اللَّه من الأرض لعباده من القطن والكتان والابريشم والصّوف والجواهر والمستلذّات من الماكل والمشارب روى في الصافي من الكافي عن الصّادق عليه السّلام بعث أمير المؤمنين عبد اللَّه بن عباس إلى ابن الكوّا وأصحابه وعليه قميص رقيق وحلَّة ، فلمّا نظروا إليه قالوا : يا ابن عباس أنت خيرنا في أنفسنا وأنت تلبس هذا اللَّباس قال : وهذا أوّل ما أخاصمكم فيه * ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ا للهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِه ِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ ) * وقال اللَّه * ( خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ) * .
وعن الصادق عليه السّلام أنّه كان متكئا على بعض أصحابه فلقيه عباد بن كثير
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 127
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص١٢٧