فضحك وقال لي : لم تجمع حرا ميزك عليّ ثمّ قال : ههنا مقدّمة ينبغي أن تعلم وهى : إنّ أكثر النّاس موتورون من الدنيا أمّا المستحقّون فلا ريب في أنّ أكثرهم محرومون .
نحو عالم يرى أنّه لا حظَّ له من الدّنيا ، ويرى جاهلا غيره مرزوقا موسّعا عليه .
بضروراته ، ويرى غيره وهو جبان فشل ينفر من ظلَّه مالكا بقطر عظيم من الدّنيا وقطعة وافرة من المال والرزق .
وعاقل سديد الرّأى صحيح العقل قد قدر عليه رزقه وهو يرى غيره أحمق مايقا تدرّ عليه الخيرات له أخلاف الرّزق وذى دين قويم وعبادة حسنة واخلاص وتوحيد وهو محروم ضيق الرزق ويرى غيره يهوديّا أو نصرانيا أو زنديقا كثير المال حسن الحال حتّى أنّ هذه الطبقات المستحقّة يحتاجون في أكثر الوقت إلى الطبقات الَّتي لا استحقاق لها ، وتدعوهم الضّرورة إلى الذلّ لهم والخضوع بين أيديهم إمّا لدفع ضرر أو لاستجلاب نفع .
ودون هذه الطبقات من ذوى الاستحقاق أيضا ما يشاهد عيانا من تجّار حاذق أو بنّاء عالم أو نقاش بارع أو مصوّر لطيف على غاية ما يكون من ضيق رزقهم وقلَّة الحيلة بهم ، ويرى غيرهم ممّن ليس يجرى مجراهم ولا يلحق طبقتهم مرزوقا مرغوبا كثير المكسب طيب العيش واسع الرّزق .
فهذا حال ذوى الاستحقاق والاستعداد .
وأما الذين ليسوا من أهل الفضايل كحثو العامّة فانّهم أيضا لا يخلون من الحقد على الدّنيا والذمّ لها والحنق والغيظ منها لما يلحقهم من حسد أمثالهم وجيرانهم ولا ترى أحدا منهم قانعا بعيشه ولا راضيا بحاله يتزيّد ويطلب حالا فوق حاله قال :
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 376
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٧٦