بالحكمة فعلا .
وبعبارة أخرى يدلّ على تلبسه واتّصافه بالاستعداد فقط لا بالحكمة نفسها مع أنّ الغرض من الكلام الوارد في مقام المدح إفادة اتّصافه بها وكونها حاصلا له بالفعل لا بالقوّة ، إذ كمال المدح إنما هو في ذلك .
ويدلّ على ذلك أيضا أي على الاتّصاف بالفعل صريح قوله ( وأخذها بجميع أدبها ) أي أخذ الحكمة على وجه الكمال وقام بادابها ( من الاقبال عليها والمعرفة بها والتفرّغ لها ) يعني أنّه لما علم أنه لا خصلة أعظم وأشرف وأرفع وأبهى من الحكمة وعرف أنه من يؤتها فقد أوتى خيرا كثيرا أقبل الكلَّية عليها وقصر همّته ونهمته فيها وعرف شرفها وقدرها ونفاستها وتفرّغ لها وتخلَّى عن جميع العلايق الدنيوية التي تضادّها وتنحّى عن كلّ ما سواها .
( فهي عند نفسه ضالَّته الَّتي يطلبها وحاجته الَّتي يسأل عنها ) ذلك مثل قوله عليه السّلام في أواخر الكتاب : الحكمة ضالَّة المؤمن .
فان قلت : قوله يطلبها ويسأل عنها صريحان في عدم حصولها له فعلا فينافي ما استظهرت آنفا من كلامه عليه السّلام السابق .
قلت : لا منافاة بينهما لأنه عليه السّلام استعار لها لفظ الضالَّة وجملة يطلبها وصف للمستعار منه لا للمستعار له ، إذ من شأن الضلالة أن تطلب فهي استعارة مرشّحة لا استعارة مجرّدة ، والجامع شدّة الشوق وفرط الرغبة والمحبّة لا الطلب كما زعمه الشارح البحراني حيث قال استعار لها لفظ الضالَّة لمكان انشاده لها وطلبه كما تطلب الضالَّة من الإبل ، نعم قوله عليه السّلام : يسأل عنها ظهوره فيما أفاده الشارح ، لكن تأويله على وجه يوافق ما ذكرناه سهل فتأمل ، هذا .
ولا يخفى عليك أنّ جعل الكلام من باب الاستعارة إنّما هو جريا على مذاق الشارح البحراني ، وإلَّا فقد علمت في ديباجة الشرح أنه من باب التشبيه البليغ حيث ذكر المشبّه والمشبّه به وحذف الأداة فيكون الوصف بالطلب ترشيحا للتشبيه لا للاستعارة .
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 354
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٥٤