تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 307

مساهمون:

ص٣٠٧
( بل ظهر للعقول ) وتجلَّى للبصائر ( بما أرانا من علامات التدبير المتقن ) المحكم ( و ) آيات ( القضاء المبرم ) في الأنفس والآفاق في أصناف الموجودات وأنواع المصنوعات المبدعة على أحسن نظام وأتقن انتظام على ما عرفت تفصيلا وتحقيقا في شرح المختار التاسع والأربعين . ونزيد عليه ايضاحا وتأكيدا ما قاله الصادق عليه السّلام للمفضل بن عمر في حديثه المعروف : يا مفضّل أوّل العبر والأدلَّة على الباري جلّ قدسه تهيئة هذا العالم وتأليف أجزائه ونظمها على ما هي عليه ، فانّك إذا تأمّلت العالم بفكرك وميّزته بعقلك وجدته كالبيت المبنىّ المعدّ فيه جميع ما يحتاج إليه عباده ، فالسّماء مرفوعة كالسّقف والأرض ممدودة كالبساط ، والنجوم منضودة كالمصابيح ، والجواهر مخزونة كالذخائر ، وكلّ شيء فيها لشأنه معدّ ، والانسان كالمملك ذلك البيت والمخوّل جميع ما فيه ، وضروب النبات مهيّأة لماربه ، وصنوف الحيوان مصروفة في مصالحه ومنافعه ، ففي هذا دلالة واضحة على أنّ العالم مخلوق بتقدير وحكمة ونظام وملايمة وأنّ الخالق له واحد ، وهو الَّذى ألفه ونظمه بعضا إلى بعض جلّ قدسه وتعالى جدّه وكرم وجهه ولا إله غيره ، تعالى عمّا يقول الجاحدون وجلّ وعظم عما ينتحله الملحدون ، هذا . ولما ذكر اجمالا أنّه تعالى تجلَّي للعقول بما أظهر من آيات القدرة وعلامات التدّبر أراد أن يشير إلى بعض تلك الآيات تفصيلا وهو خلق السماوات . فقال ( فمن شواهد خلقه ) أي آيات الابداع وعلامات التدبّر المحكم أو ما يشهد من الخلق بوجوده سبحانه وتدبيره وعلمه أو ما حضر من خلقه أي ظهر وجوده بحيث لا يمكن لاحد إنكاره من آيات تدبيره تعالى ( خلق السماوات ) وتخصيصها من بين ساير الشواهد بالبيان لكونها من أعظم شواهد القدرة ، وأظهر دلايل الرّبوبيّة ، وأوضح علائم التدبير حيث خلقت ( موطدات ) أي محكمات الخلقة مثبتات في محالها على وفق النظام والحكمة ( بلا عمد ) ترونها ولا دسار ينتظمها ( قائمات ) في الجوّ ( بلا سند ) يكون عليه استنادها وبه اعتمادها ( دعاهنّ ) سبحانه * ( فَقالَ لَها وَلِلأَرْضِ ائْتِيا ) *