الوساوس المزينة لقنيات الدّنيا ، والعلم الأوّل بيد الدّعاة إلى الله وهم الرّسول ومن بعده من أولياء الله من أهل بيته والتّابعين لهم باحسان ، والعلم الثّاني بيد إبليس وجنوده من شياطين الجنّ والانس الدّاعين إلى النار .
( فصرفوا عن الجنّة وجوههم ) وأعرضوا عنها ( وأقبلوا إلى النار بأعمالهم ) القبيحة الموصلة إليها ( ودعاهم ربّهم فنفروا ) واستكبروا ( وولَّوا ودعاهم الشيطان فأطاعوا وأقبلوا ) واستجابوا .
تنبيه
قال الشارح المعتزلي في شرح هذا الفصل : فان قلت : هذا الكلام يرجع إلي الصّحابة الذين مضى ذكرهم في أوّل الخطبة .
قلت : لا وإن زعم قوم أنّه عناهم ، بل هو إشارة إلى قوم ممّن يأتي من الخلف بعد السّلف ، ألا تراه قال : كأنّي أنظر إلى فاسقهم وقد صحب المنكر فألفه ، وهذا اللَّفظ إنّما يقال في حقّ من لم يوجد بعد كما قال في حقّ الأتراك : كأنّي أنظر إليهم قوما كأنّ وجوههم المجان ، وكما قال في حقّ صاحب الزّنج كأني به يا أحنف وقد سار بالجيش ، وكما قال في الخطبة التّى ذكرناها آنفا كأني به قد نعق بالشّام ، يعني به عبد الملك .
وحوشى عليه السّلام أن يعنى بهذا الكلام الصّحابة لأنّهم ما آثروا العاجل ، ولا أخّروا الآجل ، ولاصحبوا المنكر ، ولا أقبلوا كالتيّار لا يبالي ما غرق ، ولا كالنار لا يبالي ما احترقت ، ولا ازدحموا على الحطام ، ولا تشاحّوا على الحرام ، ولا صرفوا وجوههم عن الجنّة ، ولا أقبلوا إلى النّار بأعمالهم ، ولا دعاهم الرّحمن فولَّوا ، ولا دعاهم الشيطان فاستجابوا ، وقد علم كلّ أحد حسن سيرتهم وسداد طريقتهم وإعراضهم عن الدّنيا وقد ملكوها ، وزهدهم فيها وقد تمكَّنوا منها ، ولولا قوله : كأنّي أنظر إلى فاسقهم ، لم أبعد أن يغني بذلك قوما ممّن عليهم اسم الصّحابة وهو ردّى الطريقة كالمغيرة بن شعبة ، وعمرو بن العاص ، ومروان بن الحكم ، ومعاوية ،
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 41
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٤١