وكان إزاره أربعة أذرع ونصفا واشترى سراويل بثلاثة دراهم وكان يلبس شملتين بيضاوين وكانت تسمى حلَّة لأنّهما ثوبان من جنس واحد ، وربّما كان يلبس بردين يمانين أو سحوليين من هذه الغلاظ ، وكان شراك نعله قد اخلق فابدل بسير جديد فصلَّى فيه فلما سلَّم : قال أعيدوا الشراك الخلق وانزعوا هذا الجديد فانى نظرت إليه في الصلاة ، وكان صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم قد احتذى مرّة نعلين جديدين فأعجبه حسنهما فخرّ ساجدا وقال : أعجبني حسنهما فتواضعت لربّي خشية أن يمقتني فدفعهما إلى أوّل مسكين رآه .
( ولا يعتقدها قرارا ولا يرجو فيها مقاما ) لأنها دار مجاز لا دار قرار
أحلام نوم أو كظلّ زائل
إنّ اللَّبيب بمثلها لا يخدع
ولذلك قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : الدّنيا دار من لا دار له ، ولها يجمع من لا عقل له ، وعليها يعادي من لا علم له ، وعليها يحسد من لا فقه له ، ولها يسعى من لا يقين له ولنعم ما قيل :
أرى طالب الدّنيا وإن طال عمره
ونال من الدّنيا سرورا وأنعما
كبان بنى بنيانه فأقامه
فلمّا استوى ما قد بناه تهدّما
( فأخرج ) محبّت ( ها من النّفس وأشخص ) رغبت ( ها عن القلب وغيّب ) زينت ( ها عن البصر ) وذلك لفرط بغضه لها ونفرته عنها وكراهته إيّاها ( وكذلك ) حال ( من أبغض شيئا ) فإنه إذا أبغضه ( أبغض أن ينظر إليه وأن يذكر عنده ) ثمّ أكَّد ما قدّم وقال : ( ولقد كان في رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ما يدلَّك على مساوى الدّنيا وعيوبها إذ جاع فيها مع خاصّته ) .
أمّا جوعه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم فقد عرفته فيما تقدّم ، وأقول هنا مضافا إلى ما سبق : روى أحمد بن فهد في عدّة الداعي أنه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم أصابه يوما الجوع فوضع صخرة على بطنه ثمّ قال : ألا ربّ مكرم لنفسه وهولها مهين ، ألا ربّ مهين لنفسه وهو لها مكرم ألا ربّ نفس جايعة عارية في الدّنيا طاعمة في الآخرة ناعمة يوم القيامة ، ألا ربّ نفس كاسية ناعمة في الدّنيا جايعة عارية يوم القيامة ، ألا ربّ نفس متخوّض متنعّم فيما أفاء اللَّه على رسوله ما له في الآخرة من خلاق ، ألا إنّ عمل أهل الجنّة حزنة بربوة