ومختلف الملائكة ولا يدخل الملك بيتا فيه صورة مجسّمة كما ورد به الأخبار .
( فيقول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم يا فلانة لإحدى أزواجه غيّبي عنّي ) الظَّاهر أنه أراد بها عايشة كما يؤمى إليه في باب الزّهد من احياء العلوم قال : ورأى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم على باب عايشة سترا فهتكه وقال : كلَّما رأيته ذكرت الدّنيا أرسلى به إلى آل فلان .
قال الشارح البحراني : أمره بتغييب التصاوير محافظة من حركة الوسواس الخناس ، وكما أنّ الأنبياء عليهم السّلام كانوا كاسرين للنفس الأمّارة بالسوء ، وقاهرين لشياطينهم كانوا أيضا محتاجين إلى مراعاتهم ومراقبتهم وتفقّد أحوال نفوسهم في كلّ لحظة وطرفة ، فإنها كاللَّصوص المخادعين للنفوس المطمئنّة مهما تركت وغفل عن قهرها والتحفّظ منها عادت إلى طباغها .
أقول : لا يخفى ما في هذا التعليل بعد الغضّ عن كونه خلاف ما يستفاد من كلامه عليه السّلام من الركاكة والسخافة والسماجة وإسائة الأدب بالنسبة إلى خاتم النبيّين صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم بل وساير أولياء الدّين وكيف يتصوّر في حقّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم حركة الوسواس الخناس مع وجود ملكة العصمة ولو لم يغب عنه عليه السّلام التصاوير ، بل الظاهر أنّ أمره صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم بتغييبها إنما هو لأجل أنّ الدّنيا وزخارفها كانت مبغوضة عنده بالذات ومكروهة لديه بالطبع ، فأمر بتغييبها لكونها موجبة لذكر ما يبغضه ويتنفّر عنه ويعاديه .
كما يومى إليه قوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ( فانّى إذا نظرت إليه ذكرت الدّنيا وزخارفها ) ويدلّ عليه صريحا قوله عليه السّلام الآتي وكذلك من أبغض شيئا آه ( فأعرض صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم عن الدنيا بقلبه وأمات ذكرها عن نفسه ) وهو الزهد الحقيقي ( وأحب أن تغيب زينتها عن عينه لكيلا يتّخذ منها رياشا ) أي لباسا فاخرا ، وذلك لما روى عنه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم إنّ اللَّه يحب المبتذل الذي لا يبالي ما لبس قال في إحياء العلوم : قال أبو بردة : أخرجت لنا عايشة كساء ملبدا وإزارا غليظا فقالت : قبض رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم في هذين .
قال : واشترى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ثوبا بأربعة دراهم وكانت قيمة ثوبيه عشرة
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 379
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٧٩