لأصحابه كم يساوى هذا فقالوا : لعلَّه لو كان حيّا لم يساو درهما ، فقال النّبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم والَّذي نفسي بيده الدّنيا أهون عند اللَّه من هذا الجدي على أهله .
( وصغّر شيئا ) أراد تصغيره بالنّسبة إلى ما أعدّه لأوليائه في الآخرة ( فصغّره ) قال في إحياء العلوم قال داود بن هلال : مكتوب في صحف إبراهيم عليه السّلام : يا دنيا ما هونك على الأبرار الَّذين تمنّعت وتزيّنت لهم إنّي قذفت في قلوبهم بغضك والصّدود عنك ، وما خلقت خلقا أهون علىّ منك كلّ شأنك صغير ، وإلى الفناء تصير قضيت عليك يوم خلقتك أن لا تدومى لأحد ، ولا يدوم لك أحد وإن بخل به صاحبك وشحّ عليك ، طوبى للأبرار الَّذين اطلعوني من قلوبهم على الرضا ، ومن ضميرهم على الصّدق والاستقامة ، طوبى لهم مالهم عندي من الجزاء إذا وفدوا إلىّ من قبورهم إلَّا النّور يسعى أمامهم ، والملائكة حافّون بهم حتّى ابلغهم ما يرجون من رحمتي ، هذا ولمّا ذكر أنّ الدّنيا مبغوضة للَّه ، حقيرة عنده وكذلك عند النّبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم تبعا لرضائه تعالى ، عقّب ذلك بالتنبيه على أنّ اللَّازم على المتأسّي له صلَّى اللَّه عليه وآله والمقتصّ لأثره أن يبغض ما أبغضه اللَّه ورسوله ويحقّر ما حقّراه وإلَّا لكان موادّا لما حادّ اللَّه ورسوله فقال ( ولو لم يكن فينا إلَّا خبّنا ما أبغض اللَّه ورسوله وتعظيمنا ما صغّر اللَّه ورسوله لكفى به شقاقا للَّه ) ومخالفة له ( ومحادّة عن أمر اللَّه ) أي معاداة ومجانبة عنه .
وإلى ذلك ينظر ما روى أنّ سلمان رضى اللَّه عنه كان متحسّرا عند موته ، فقيل له : يا أبا عبد اللَّه على ما تأسّفك قال : ليس تأسّفي علي الدّنيا ، ولكن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم عهد إلينا وقال : لتكن بلغة أحدكم كزاد الراكب ، وأخاف أن يكون قد جاوزنا أمره وحولى هذه الأساور ، وأشار إلى ما في بيته وإذا هو دست وسيف وجفنة .
ثمّ أشار إلى تواضعه وتذلَّله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم في مأكله ومجلسه ومركبه وغيرها فقال ( ولقد كان صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم يأكل على الأرض ويجلس جلسة العبد ) وقد ورد التصريح بذلك
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 376
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٧٦