بأس ، وهو الصّدق في التّقوى ، فإذا انضمّ إليه التّجرّد للخدمة فصار لا يبنى ما لا يسكنه ، ولا يجمع مالا يأكله ، ولا يلتفت إلى دنيا يعلم أنّها تفارقه ، ولا يصرف إلى غير اللَّه تعالى نفسا من أنفاسه ، فهو الصّدق وصاحبه جدير بأن يسمّى صديقا .
ويدخل في الصّدق التّقوى ، ويدخل في التّقوى الورع ، ويدخل في الورع العفة فانّها عبارة عن الامتناع عن مقتضى الشّهوات خاصّة فإذا الخوف يؤثّر في الجوارح بالكفّ والاقدام ، ويتجدّد له بسبب الكفّ اسم العفّة ، وهو كفّ عن مقتضى الشّهوة وأعلى منه الورع ، فانّه أعمّ لأنّه كفّ عن كلّ محظور وأعلى منه التّقوى ، فانّه اسم للكفّ عن المحظور والشّبهة جميعا وورائه اسم الصّديق والمقرّب .
إذا عرفت ذلك ظهر لك معنى قوله ( وكذلك إن هو خاف عبدا من عبيده ) سبحانه ( أعطاه من خوفه ) الضمير راجع إلى الخائف أو العبد أي أعطاه من أجل خوفه إيّاه ( ما لا يعطى ربّه ) يعنى أنّه يقوم بمقتضيات خوفه إن خاف غير اللَّه تعالى فيفعل ما يأمر ويترك ما ينهى ويأتي بما يريد بخلاف خوفه منه سبحانه فيدّعى الخوف ولا يظهر أثره عليه ( فجعل خوفه من العباد نقدا ) أي كالنقد المعجّل لوجود آثاره فيه بالفعل ( وخوفه من خالقه ضمارا ووعدا ) ذا تسويف غير موجود آثاره فيه بعد هذا .
ولمّا نبّه على بطلان دعوى المدّعين للخوف والرّجاء وكذّبهم في تلك الدّعوى معلَّلا بكون رجاهم لغير اللَّه تعالى أكثر وآكد ، وخوفهم من غيره سبحانه أقوى وأشدّ ، وفهم من ذلك ضمنا بدلالة الالتزام أنّ توجّههم ومراقبتهم إلى غيره عزّ وعلا أكثر من مراقبتهم وتوجّههم إليه ، حيث إنّهم يؤثرون غيره عليه إذا رجوا ، ويقدمون خوف الغير على خوفه إذا خافوا أردف ذلك بالتّنبيه على أنّ حال أبناء الدّنيا كذلك ، لايثارهم الدّنيا عليه تعالى وانقطاعهم إليها وافتتانهم بها ورغبتهم إليها دونه .
وبهذا ظهر لك حسن الارتباط والمناسبة بين ما مرّ وبين قوله ( وكذلك من
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 366
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٦٦