تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 365

مساهمون:

ص٣٦٥
كلّ ما يؤدّى إلى المكروه المتوقّع الَّذي يخاف منه . وخوف اللَّه سبحانه إذا ثبت في القلب واشتدّ يظهر أثره على البدن وعلى الجوارح والصّفات . اما البدن فبالنّحول والصّفار والغشية والزّعقة والبكاء ، وقد ننشقّ به المرارة فيفضى إلى الموت ، أو يصعد إلى الدّماغ فيفسد العقل ، أو يقوى فيورث القنوط واليأس . واما الجوارح فبكفّها عن المعاصي وتقييدها بالطَّاعات تلافيا لما فرّط واستعدادا للمستقبل . واما الصفات فبأن يقمع الشّهوات ويكدّر اللَّذات فتصير المعاصي المحبوبة عنده مكروهة كما يصير العسل مكروها عند من يشتهيه إذا عرف أنّ فيه سمّا فتحرق الشّهوات بالخوف وتتأدّب الجوارح ويحصل في القلب الذّبول والخشوع والاستكانة ويفارقه الكبر والحقد والحسد بل يصير مستوعب الهمّ بخوفه والنّظر في خطر عاقبته ، فلا يتفرّغ لغيره ولا يكون له شغل إلَّا المراقبة والمحاسبة والمجاهدة والضنّة بالأنفاس واللَّحظات ، ومؤاخذة النّفس بالخطرات والخطوات والكلمات ويكون حاله حال من وقع في مخالب سبع ضار لا يدرى أنّه يغفل عنه فيفلت أو يهجم عليه فيهلك فيكون ظاهره وباطنه مشغولا بما هو خائف منه لا متّسع فيه لغيره هذا حال من غلبه الخوف واستولى عليه . وقوّة المراقبة والمحاسبة والمجاهدة بحسب قوّة الخوف الَّذي هو تألَّم القلب واحتراقه وقوّة الخوف بحسب قوّة المعرفة بجلال اللَّه تعالى وصفاته وأفعاله وبعيوب النّفس وما بين يديها من الأخطار والأهوال . وأقلّ درجات الخوف ممّا يظهر أثره في الأعمال أن يمنع عن المحظورات ويسمّى الكفّ الحاصل عن المحظورات ورعا ، فان زادت قوّته كفّ عمّا يتطرق إليه امكان التّحريم فيكفّ أيضا عن المشتبهات ويسمّى ذلك التّقوى ، إذ التّقوى أن يترك ما يريبه إلى ما لا يريبه ، وقد يحمله على ترك ما لا بأس به مخافة ما به