فأقول : إنّ الخوف كما في إحياء العلوم عبارة عن تألَّم القلب واحتراقه بسبب توقّع مكروه في الاستقبال ، وقد ظهر هذا في بيان حقيقة الرّجاء وهو صفة تقتضى علما وعملا .
اما العلم فهو العلم بالسّبب المفضى إلى المكروه ، وذلك كمن جنى على ملك ثمّ وقع في يده فيخاف القتل مثلا ويجوز العفو والافلات ، ولكن يكون تألَّم قلبه بالخوف بحسب قوّة علمه بالأسباب المفضية إلى قتله ، وهو تفاحش جنايته وكون الملك حقودا غضوبا منتقما ، وكونه محفوفا بمن يحثّه على الانتقام ، خاليا عمّن يتشفّع إليه في حقّه ، وكان هذا الخائف عاطلا عن كلّ وسيلة وحسنة تمحو أثر جنايته عند الملك ، فالعلم بتظاهر هذه الأسباب سبب لقوّة الخوف وشدّة تألَّم القلب ، وبحسب ضعف هذه الأسباب يضعف الخوف .
وقد يكون الخوف لا عن سبب جناية قارفها الخائف ، بل عن صفة المخوف منه كالَّذى وقع في مخالب سبع ، فانّه يخاف السّبع لصفة ذات السّبع وهى سطوته وحرصه على الافتراس غالبا وإن كان افتراسه بالاختيار .
وقد يكون من صفة جبليّة للمخوف منه كخوف من وقع في مجرى سيل أو جوار حريق من الغرق والاحتراق ، لأنّ طبع الماء مجبول على السّيلان والاغراق ، وكذا النّار على الاحراق ، فالعلم بأسباب المكروه هو السّبب الباعث المثير لاحراق القلب وتألَّمه ، وذلك الاحراق هو الخوف .
فكذلك الخوف من اللَّه تارة يكون لمعرفة اللَّه ومعرفة صفاته وأنّه لو أهلك العالمين لم يبال ولم يمنعه مانع ، وتارة يكون لكثرة الجناية من العبد بمقارفة المعاصي ، وتارة يكون بهما جميعا ، ويحسب معرفته بعيوب نفسه ومعرفته بجلال اللَّه تعالى واستغنائه وأنّه لا يسئل عمّا يفعل وهم يسئلون تكون قوّة خوفه فأخوف النّاس لربّه أعرفهم بنفسه وبربّه ولذلك قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : أنا أخوفكم للَّه ، وكذلك قال اللَّه : إنّما يخشى اللَّه من عباده العلماء .
وأما العمل فهو أنّه إذا حصل له الخوف أوجب ذلك الكفّ والتّوقّى عن
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 364
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٦٤