رجاؤه صدقا لظهر رجاؤه في عمله ، وذلك لأنّا نرى أنّ كلّ من رجا شيئا من سلطان أو غيره فانّه يتابعه ويخدمه ويتقرّب إليه ويتحبّب إليه ويبالغ في طلب رضاه ويسارع إلى خدمته ويأتي بقدر طوعه كلّ ما هو مطلوب له ومحبوب عنده ليظفر بمراده وينال إلى ما يرجوه منه ، وهذا المدّعي للرّجاء حيث لا يظهر رجاؤه في عمله يتبيّن أنّه كاذب في دعواه ، غير خالص في رجاه .
وهذا معنى قوله ( وكلّ من رجا عرف رجاؤه في عمله إلَّا رجاء ) من يرجو ( اللَّه فانّه مدخول ) أي معيب ( وكلّ خوف محقّق ) أي كلّ خائف فخوفه محقّق ثابت له أصل وحقيقة يظهر آثاره على الخائف ( إلَّا خوف اللَّه ) تعالى ( فانّه معلول ) أي مشتمل على المرض والعلَّة حيث لا يظهر آثاره وعلاماته على من يخافه سبحانه كما ستعرفه تفصيلا .
هذا على تقدير عود الضّمير في قوله : فانّه ، إلى خوف اللَّه ، ويجوز عوده إلى كلّ خوف بأن يجعل محقّق صفة لخوف وإلَّا بمعنى غير وهذه الجملة أعني جملة فانّه معلول خبرا لكلّ خوف ، فيكون محصّل المعنى أنّ كلّ خوف ثابت غير خوف اللَّه سبحانه فانّ هذا الخوف معلول ، بخلاف خوفه سبحانه فانّه الخوف الصّريح الحقيقي ، وذلك لأنّ ما يخاف به من غيره تعالى فهو أمر دنيويّ سريع الزّوال والانقضاء ، مع أنّ ذلك الغير لا يقدر على ايقاع مكروه على الخائف إلَّا بمشيّة اللَّه سبحانه وإقدار منه له عليه ، بخلاف الخوف منه تعالى فانّه خوف من القادر القاهر لارادّ لقضائه ولا دافع لحكمه ، وعذابه أليم لا يفنى ، وسخطه عظيم لا ينقطع ولا يتناهى ويؤيّد هذا الاحتمال الثّاني في هذه الفقرة ما في بعض النّسخ بدل قوله : وكلّ من رجا آه وكلّ رجاء إلَّا رجاء اللَّه فإنه مدخول ، وجه التّأييد أنّ الضّمير حينئذ يعود إلى كلّ رجاء فيكون سوق كلتا الفقرتين على مساق واحد ، ويتطابق الكلَّيتان كما هو غير خفيّ على البصير ، هذا .
وأكَّد كون رجائه للَّه سبحانه معلولا بقوله ( يرجو اللَّه في الكبير ) أي يرجو رحمته ومغفرته ونعمته ومنّته وجنّته الَّتي عرضها السّماء والأرض ( ويرجو العباد
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 362
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٦٢