المعنى
اعلم أنّه عليه السّلام قد نبّه في هذا الفصل من كلامه عليه السّلام على بطلان دعوى من يدّعى رجاء ثواب اللَّه سبحانه وخوف عقابه ويزعم اتّصافه بهذين الوصفين اللَّذين هما من أوصاف السّالكين وحالات الطَّالبين ومقامات العارفين الرّاغبين ، وعقبّه بالتّزهيد عن الدّنيا بالأمر بالتّأسّي على رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وجملة من السّلف الصّالحين من الأنبياء والمرسلين حيث زهدوا في الدّنيا ، وآثروا الآخرة على الأولى لما رأوا من معايبها ومساويها ، وقد تقدّم في التّنبيه الثّالث من تنبيهات الفصل السّادس من فصول الخطبة الثّانية والثّمانين تحقيق معنى الرّجاء وتفصيل الكلام فيه ولا حاجة إلى الإعادة ، وإنّما نشير هنا إلى محصّل ما أوردناه هناك تمهيدا وتوضيحا للمتن .
فأقول : خلاصة ما قلناه فيما تقدّم : إنّ الرّجاء عبارة عن ارتياح النّفس لانتظار ما هو محبوب عندها ، فهو حالة لها تصدر عن علم وتقتضى عملا ، فمن كان يرجو لقاء ربه ويأمل ثوابه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربّه أحدا ، كما نطق به الكتاب الكريم والقرآن الحكيم ، فاللَّازم على الرّاجي للثواب من الملك الوهّاب عزّ وعلا أن يبذر المعارف الالهيّة في قلبه ، ويدوم على سقيه بماء الطَّاعات ويجتهد في تطهير نفسه عن شوك الأخلاق الرّدية المانعة من نماء العلم وزيادة الايمان ، وينتظر من فضل اللَّه سبحانه أن يثبته على ذلك إلى زمان وصوله وحصاد عمله ، فذلك الانتظار هو الرّجاء الحقيقي المحمود .
إذا عرفت ذلك فنقول : إنّ من النّاس من يتّبع هواه ويفرّط في أمر مولاه ويغمر في المعاصي ويدوم على المناهي ومع ذلك كلَّه ( يدّعى بزعمه ) الفاسد ونظره الكاسد ( أنّه يرجو اللَّه ) ويأمل لقائه فقد ( كذب ) في دعواه وخاب فيما يتوقّعه ويتمنّاه ( و ) الرّبّ ( العظيم ) لما قد عرفت أنّ الرّجاء بدون إصلاح العمل حمق وجهالة ، ومن دون تزكية النّفس سفه وضلالة ( ما باله ) استفهام على سبيل التّوبيخ والتّقريع أي ما بال هذا الدّاعي للرّجاء ( لا يتبيّن رجاؤه في عمله ) يعني انّه لو كان
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 361
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٦١