تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 260

مساهمون:

ص٢٦٠
والمتحرّك ساكنا كالظلّ بخلاف المعقولات الصّرفة . ( لم تبلغه العقول بتحديد فيكون مشبّها ) المراد بالتّحديد إمّا إثبات الحدّ والنّهاية ، أو التّعريف بالذّاتي كما هو عرف المنطقيّين ، وظاهر أنّ الله سبحانه منزّه عن الحدود والنّهايات التّي هي من عوارض الأجسام والجسمانيّات ، مقدّس عن الأجزاء والتّركب مطلقا من الذّاتيات أو العرضيّات ، فذاته سبحانه ليس له حدّ وتركيب حتّى يمكن للعقول البلوغ إليه بتحديد كما لساير الأجسام ( ولم تقع عليه الأوهام بتقدير فيكون ممثّلا ) قال الشّارح البحراني : إذ الوهم لا يدرك إلَّا المعاني الجزئيّة المتعلَّقة بالمحسوسات . ولا بدّ له في إدراك ذلك المدرك من بعث المتخيّلة على تشبيهه بمثال من الصّور الجسمانيّة ، فلو وقع عليه وهم لمثّله في صورة حسيّة حتّى أنّ الوهم إنّما يدرك نفسه في مثال من صورة وحجم ومقدر ( خلق الخلق على غير تمثيل ) الظَّاهر أنّ المراد بالتمثيل ايجاد الخلق على حذوما خلقه غيره ، ولمّا لم يكن الباري سبحانه مسبوقا بغيره فليس خلقه إلَّا على وجه الابداع والاختراع ، أو أنّ المراد أنّه لم يجعل لخلقه مثالا قبل الايجاد كما يفعله البنّاء تصويرا لما يريد بنائه ، ومعلوم أنّ كيفيّة صنعه للعالم منزّهة عن هذا الوجه أيضا كما سبق في شرح الفصل السّابع من الخطبة الأولى ( ولا مشورة مشير ولا معونة معين ) لأنّ الحاجة إلى المشير والمعين من صفات النّاقص المحتاج وهو سبحانه الغنيّ المطلق في ذاته وأفعاله فلا يحتاج في إيجاده إلى مشاورة ولا إعانة ( فتمّ خلقه ) أي بلغ كلّ مخلوق إلى مرتبة كماله وتمامه الَّذي أراده الله سبحانه منه أو خرج جميع ما أراده من العدم إلى الوجود ( بأمره ) أي بمجرّد أمره التكويني ومحض مشيّته التّامة النّافذة كما قال عزّ من قائل : « إنّما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون » ( وأذعن ) أي خضع وأقرّ وأسرع وانقاد كلّ ( لطاعته فأجاب ولم يدافع ، وانقاد ولم ينازع ) وهاتان الجملتان مفسّرتان للاذعان ، والمراد دخول الخلق تحت القدرة الالهيّة وعدم الاستطاعة