تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩
قوله : جناحان ، خبر مبتدأ محذوف أي جناحاه جناحان ، ولمّا في قوله : لمّا يرقا بمعنى لم الجازمة . المعنى اعلم أنّ هذه الخطبة الشريفة يذكر فيها بديع خلقة الخفّاش ، والغرض منه التنبيه على عظمة قدرة خالقها ، وعلى كمال صنعه سبحانه في إبداعها ، والدّلالة على عظيم برهانه في ملكه وملكوته ولمّا كان الغرض ذلك افتتح عليه السّلام كلامه بالحمد والثناء عليه تعالى بجملة من صفات الكمال ونعوت الجلال والجمال بمقتضى براعة الاستهلال فقال : ( الحمد لله الذي انحسرت الأوصاف عن كنه معرفته ) أي عجز الواصفون عن صفته وأعيت الألسن عن وصفه بحقيقته ، لأنّ ذاته سبحانه بريئة عن أنحاء التركيب ، منزّهة عن الأجزاء والنّهايات ، فلا حدّ له ولا صورة تساويه ، فلا يمكن للعقول الوصول إلى حقيقة معرفته ، ولا للألسن الحكاية والبيان عن هويّته ، وقد مرّ تحقيق ذلك في شرح الفصل الثّاني من الخطبة الأولى وغيره أيضا غير مرّة ( وردعت ) أي منعت ( عظمته العقول فلم تجد مساغا ) ومسلكا ( إلى بلوغ غاية ملكوته ) أي منتهى عزّه وسلطانه ( هو الله الملك الحقّ ) الثّابت المتحقّق وجوده وإلهيّته أو الموجود حقيقة ( المبين ) أي الظَّاهر البيّن وجوده بل هو أظهر وجودا من كلّ شيء فان خفى مع ظهوره فلشدّة ظهوره ، وظهوره سبب بطونه ونوره هو حجاب نوره إذ كلّ ذرّة من ذرّات مبدعاته ومكوّناته فلها عدّة ألسنة تشهد بوجوده ، وبالحاجة إلى تدبيره وقدرته كما مرّ تفصيلا وتحقيقا في شرح الخطبة التّاسعة والأربعين . ( أحقّ وأبين ) أي أثبت وأوضح ( ممّا ترى العيون ) لأنّ العلم بوجوده تعالى عقليّ يقينيّ لا يتطرّق إليه ما يتطرّق إلى المحسوسات من الغلط والاشتباه ألا ترى أنّ العين قد يرى الصّغير كبيرا كالعنبة في الزّجاجة المملوّة ماء ، والكبير صغيرا كالبعيد ، والسّاكن متحرّكا كحرف الشّط إذا رآه راكب السّفينة متصاعدا