غرضه بضرب المثل ، والمثل ينتفع به العام والخاص ، وكان نصيب العامي من كلّ مثل أن يدرك ظاهره المحسوس ويقف عليه وينتفع به ترغيبا وترهيبا لما فيه من نوع مطابقة لأصله ونصيب الخاصي أن يدرك باطنه ويعبّر من ظاهره إلى سرّه ومن محسوسه الجزئي إلى معقوله الكلَّى كما قال تعالى : * ( « وَتِلْكَ الأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ » ) * .
أراد عليه السّلام أن يكون انتفاع المخاطبين بالمثل الذي يضربه على وجه الكمال ونحو الخصوص ، فلذلك قال عليه السّلام : مقدّمة وتنبيها لهم : اعقل ذلك فانّ المثل دليل على شبهه ، أي أفهم ما أقول وتدبّر فيه ولا تقصر نظرك إلى ظاهره ، بل تفكَّر في معناه حتّى تصل من قشره إلى لبّه ، ويمكن لك الاستدلال بالمثل على ممثّله والانتقال من ظاهره إلى باطنه والوصول من قشره إلى لبّه والمثل الَّذي ضربه هو قوله ( إنّ البهايم همّها بطونها ) لكمال قوّتها الشّهوية فاهتمامها دائما بالطعام والشّراب والأكل والشّرب والنزو والسّفاد ( وإنّ السّباع همّها العدوان ) لافراط قوّتها الغضبيّة فلذّتها أبدا في الاضراء والافتراس والغلبة والانتقام ( وإنّ النّساء همهنّ زينة الحياة الدّنيا ) لفرط قوّتها الشّهويّة ( والفساد فيها ) لشدّة قوّتها الغضبيّة وغرضه عليه السّلام من هذا المثل التنبيه على أنّ كمال الانسان الَّذي به فارق غيره هو إدراك ما يخرج عن عالم الحواس والإحاطة بالمعلومات والتنزّه عن التّعلَّقات والتّرقّي إلى الملاء الأعلى ، فمن ذهل عن ذلك وعطل نفسه عن تحصيله وأهمله ولم يجاوز عالم المحسوسات فهو الذي أهلك نفسه وأبطل قوّة استعداده بالاعراض عن الآيات والتأمّل فيها ، ونزل عن مرتبة الانسانية وأخلد إلى الأرض فإن كان تابعا لقوّته الشهويّة البهيميّة فهو نازل عن حقيقة الانسانيّة إلى درجة البهايم ، ووافق الأنعام فمثله كمثل الحمار بل البهايم أشرف منه وهو أضلّ منها كما قال تعالى . * ( « أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعامِ بَلْ هُمْ ) *
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 223
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٢٣