تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤
إلى ما سبق : إنّ الحمد سواء كان عبارة عن التعظيم والثّناء المطلق ، أو عن الشكر المستلزم لتقدّم النّعمة والاعتراف بها ، فالمستحقّ له في الحقيقة ليس إلَّا الله سبحانه ، ولذا أتى بتعريف الجنس ولام الاختصاص الدّالين على أنّ طبيعة الحمد مختصّة به تعالى . أمّا على أنّه عبارة عن مطلق الثّناء والتّعظيم فلظهور أنّ استحقا قيّتهما إنّما يتحقّق لأجل حصول كمال أو براءة نقص ، وكلّ كمال وجمال يوجد في العالم فإنما هو رشح وتبع لجماله وكماله ، وأما البراءة عن النقائص والعيوب فممّا يختص به تعالى ، لأنّه وجود محض لا يخالطه عدم ونور صرف لا يشوبه ظلمة . وأما على أنه عبارة عن الشكر المسبوق بالنعمة فلأنّ كلّ منعم دونه فإنما ينعم بشيء ممّا أنعم الله ، ومع ذلك فإنما ينعم لأجل غرض من جلب منفعة أو دفع مضرّة أو طلب محمّدة ، فهذا الجود والانعام في الحقيقة معاملة وتجارة وإن عدّ في العرف جودا وانعاما ، وأما الحقّ تعالى فلما لم يكن إنعامه لغرض ولا جوده لعوض إذ ليس لفعله المطلق غاية إلَّا ذاته كما مرّ تحقيقه في شرح الخطبة الخامسة والستين ، فلا يستحقّ لأقسام الحمد والشكر بالحقيقة إلَّا هو ، هذا وأردف الحمد بجملة من أوصاف الكمال ونعوت العظمة والجلال . الأول أنه ( الدّالّ على وجوده بخلقه ) وقد مرّ كيفيّة هذه الدّلالة في شرح الخطبة الخمسين وبيّنا هناك أنّ الاستدلال بهذه الطريقة من باب الاستدلال بالفعل على الفاعل ، ومرجعه إلى البرهان اللمّى . ( و ) الثاني أنه الدّال ( بمحدث خلقه على أزليّته ) لما قد مرّ ثمة أيضا من أنّ الأجسام كلَّها حادثة لأنّها غير خالية عن الحركة والسّكون ، وكلّ حادث مفتقر إلى محدّث فإن كان ذلك المحدث محدثا عاد القول فيه كالأوّل ويلزم التّسلسل أو كونه محدثا لنفسه وكلاهما باطل ، فلا بدّ من محدث قديم لا بداية لوجوده وهو الله تعالى وسبحانه .
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 174 | حبيب الله الهاشمي الخوئي / سيد إبراهيم الميانجي