وهذا أقرب وأولى بل أظهر ممّا قاله الشّارح المعتزلي في وجه تعليل التنكير حيث قال : قوله : فانّ فوزا أفصح من أن يقول فانّ الفوز أو فإنّ في الفوز كما قال الشّاعر :
إنّ شواء ونشوة وخبب البازل الأمون
من لذّة العيش للفتى في الدّهر والدّهر ذو فنون
ولم يقل إنّ الشواء والنشوة ، والسرّ في هذا أنّه كأنّه يجعل هذا المصدر وهذا الشواء شخصا من جملة اشخاص داخلة تحت نوع واحد ويقول : إنّ واحدا منها أيّها كان فهو من لذّة العيش وإن لم يحصل له كلّ أشخاص وذلك النوع ومراده عليه السّلام تقرير فضيلة هذه الخصال في النفوس أي متى حصل للانسان فوز بأيّها فقد حصل له الشّرف ، وهذا المعنى وإن أعطاه لفظة الفوز بالألف واللَّام إذا قصد بها الجنسيّة إلَّا أنّه قد يسبق إلى الذّهن منها الاستغراق لا الجنسية فأتى بلفظة لا توهم الاستغراق وهى اللَّفظة المنكرة ، وهذا دقيق وهو من لباب علم البيان ، انتهى .
وفيه أوّلا أنّ الذّوق السّليم يحكم بأنّ القصد في التنكير هنا إلى التقليل لا إلى الافراد كما في جاء رجل من أقصى المدينة وفي قوله : واللَّه خلق كلّ دابّة من ماء ، أي كلّ فرد من أفراد الدّواب من فرد من أفراد الماء أي النطفة المختصّة به فتأمّل تعرف .
وثانيا أنّ قوله : وهذا المعنى وإن أعطاه لفظة الفوز ممنوع ، لظهور أنّ النكرة هو الفرد المنتشر ، والبعض الغير المعيّن المعرّف بلام الجنس موضوع لماهيّة من حيث هي وبينهما بون بعيد .
وثالثا أنّ قوله : قد يسبق إلى الذّهن منها الاستغراق لا الجنسية ، يدفعه أنّ المتبادر من المعرّف باللَّام المفرد هي الماهية لا بشرط ، وبعبارة أخرى المتبادر السّابق إلى الذّهن من المفرد المحلَّى باللَّام هي نفس الحقيقة ، من دون نظر إلى الافراد كلَّا أو جزء ، فمن أين يسبق إلى الذّهن الاستغراق إن هو إلَّا توهّم فاسد وبه يظهر فساد ما زعمه الشّارح البحراني أيضا حيث قال : وإنّما نكَّر الفوز