فلسطين التي فتح فيها بيت المقدس فأراد عمر أن يشخص بنفسه لما طال الحرب على المسلمين وضاق الأمر عليهم وكتبوا إليه : إن لم تحضر بنفسك لم يفتح علينا فاستشار أمير المؤمنين عليه السّلام في الشّخوص إلى العدوّ فلم يره صلاحا لما فيه من الخوف على بيضة الاسلام بالنّكتة التي أشار إليها في ضمن هذا الكلام بعد تقديم مقدّمة مهّدها بقوله عليه السّلام : ( وقد توكَّل اللَّه لأهل هذا الدّين ) أي صار وكيلا لهم قائما عليهم ( باعزاز الحوزة ) والبيضة والجمعيّة ( وستر العورة ) وممّا لا ينبغي اطَّلاع العدوّ عليه من الفضائح والقبائح ( والذي نصرهم وهم قليل لا ينتصرون ومنعهم وهم قليل لا يمتنعون حىّ لا يموت ) لا يخفى ما هذه الجملة من حسن الخطابة حيث أورد المسند إليه موصولا لزيادة التّقرير أعنى تقرير الغرض المسوق له الكلام ، وهو الحثّ على التوكَّل على اللَّه والاعتماد عليه ومزيد الثقة به ثمّ أكدّ ذلك المعنى بالجملة الحاليّة وباتيان المسند بما يجرى مجرى المثل السّائر والمراد أنّ من نصرهم في حال قلَّتهم وعدم تمكَّنهم من انتقام الأعداء ومنعهم في حال ضعفهم وعدم قدرتهم على الامتناع من سيف المعاندين حىّ لا يموت فهو أولى في حال كثرتهم بالحفظ والحماية والاعزاز والنصرة .
ثمّ أشار إلى وجه المصلحة والنّكتة في المنع عن الخروج فقال ( انّك متى تسر إلى هذا العدوّ بنفسك فتلقهم فتنكب لا تكن للمسلمين كانفة دون أقصى بلادهم ) يعنى أنّ الجهاد على وجهين فيمكن إدالة الكفّار من المسلمين ويمكن إدالة المسلمين من الكفّار فلو خرجت بنفسك ولا قيت العدوّ وأصابتك النكبة لم تبق للمسلمين جهة عاصمة يعتصمون بها ولا ملجأ يستندون إليه ( وليس بعدك مرجع يرجعون إليه ) وفي ذلك خوف على بيضة الاسلام .
ثمّ أشار إلى ما هو الأصلح وأقرب إلى الحزم بقوله ( فابعث إليهم ) أي إلى الأعداء ( رجلا محربا ) إي ذا خبرة وبصيرة بالحروب أو رجلا جرّب بكثرة الوقايع والحروب وحصل الوثوق والاعتماد عليه ( واحفز ) أي ادفع معه ( أهل ) النّجدة و ( البلاء والنّصيحة ) أي المختبرين المجرّبين بالنّصح ( فان أظهر ) ك ( اللَّه ) ونصرك
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 322
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٢٢