تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 405

مساهمون:

ص٤٠٥
واما الهيبة فأمر زايد على التعظيم ، وهى عبارة عن خوف منشأه التعظيم ، لأنّ من لا يخاف لا يسمّى هايبا ، والمخافة من العقرب والحيّة وساير المؤذيات ومن العقوبة وسوء خلق العبد وما يجرى مجرى ذلك من الأسباب الخسيسة لا تسمّى مهابة ، فالهيبة خوف مصدره الاجلال ، وهى متولَّدة من المعرفة بقدرة اللَّه وسطوته ونفوذ أمره ومشيّته فيه مع قلَّة مبالاته به ، وأنّه بحيث لو أهلك الأوّلين والآخرين لم ينقص من ملكه مثقال ذرّة ، لا سيّما إذا انضمّ إلى ذلك ملاحظة ما جرى على الأنبياء والأولياء من أنواع المحن والمصائب والبلاء ، وكلَّما زاد العلم باللَّه وكبريائه زادت الهيبة والخشية ، ولأجل ذلك قال تعالى : إنّما يخشى اللَّه من عباده العلماء . روى فضيل بن يسار عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال : كان عليّ بن الحسين عليه السّلام إذا قام إلى الصّلاة تغيّر لونه ، فإذا سجد لم يرفع رأسه حتى يرفض عرقا وعن أبان بن تغلب قال : قلت لأبي عبد اللَّه عليه السّلام إني رأيت عليّ بن الحسين عليهما السّلام إذا قام إلى الصلاة غشى لونه لون آخر ، فقال لي : واللَّه إنّ عليّ بن الحسين عليهما السلام كان يعرف الذي يقوم بين يديه . وعن جهم بن حميد عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال : قال أبي : كان عليّ بن الحسين إذا قام إلى الصّلاة كأنّه ساق شجرة لا يتحرّك منه شيء إلَّا ما حرّكت الرّيح منه وقد أخرجت هذه الرّوايات وسابقتها من الوسايل رواها فيه باسنادها من الكافي وغيره . واما الرجاء فلا شك أنّه زايد على ما سبق ، فكم من معظم ملكا من الملوك يهابه أو يخاف سطوته ولا يرجو انعامه ومبرّته ، والعبد ينبغي أن يكون راجيا بصلاته ثواب اللَّه كما أنه خائف بتقصيره عقاب اللَّه ، ومنشأ الرّجا معرفة لطف الحقّ وكرمه وعميم جوده واحسانه وشمول رحمته وانعامه ومعرفة صدقه في وعده على الصلاة بالثواب وبشراه بالجنّة وحسن المآب ، فبمجموع المعرفة بلطفه سبحانه والمعرفة بصدقه يحصل الرجاء .