أمّا أخلاقها وصفاتها الباطنة فيجمعها أمور وهي : حضور القلب ، والتفهّم والتعظيم ، والهيبة ، والرجاء ، والحياء ، وهذه ستّ خصال شريفة وحالات كريمة وملكات عظيمة لا يوجد جميعها إلَّا في مؤمن امتحن اللَّه قلبه بنور الايمان والعرفان اما حضور القلب فهو تفريغ القلب عن غير ما هو ملابس له ومتكلَّم به وصرفه إلى ما يتلبّس به من الأفعال ويتكلَّم به من الأقوال ، ولا يحصل ذلك إلَّا بعد معرفة المصلَّى بانّ الغرض المطلوب منه هو الايمان والتصديق بأنّ الآخرة خير وأبقى ، وأنّ الصّلاة وسيلة إليها ، فإذا أضيف إلى تلك المعرفة العلم بحقارة الدّنيا وخسّتها وزوالها انصرف القلب عن مهمّات الدّنيا لا محالة وتوجّه إلى صلاته الموصلة وإلى سعادات الآخرة وهو معنى حضور القلب .
روى إبراهيم الكرخي عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام أنّه قال : إنّي لاحبّ الرّجل المؤمن منكم إذا قام في صلاة فريضة أن يقبل بقلبه إلى اللَّه تعالى ولا يشغل قلبه بأمر الدّنيا ، فليس من عبد يقبل بقلبه في صلاته إلى اللَّه تعالى إلَّا أقبل اللَّه إليه بوجهه ، وأقبل بقلوب المؤمنين إليه بالمحبة بعد حبّ اللَّه إليه ايّاه .
وعن الخصال باسناده عن علىّ عليه السّلام في حديث الأربعمائة قال : لا يقومنّ أحدكم في الصّلاة متكاسلا ، ولانا عسا ، ولا يفكَّرن في نفسه ، فإنه بين يدي ربّه عزّ وجلّ ، وإنما للعبد من صلاته ما أقبل عليه منها بقلبه .
أقول : ومرّ ذلك أنّ الصّلاة في الحقيقة معراج المؤمن ومناجاة الرّب المعبود ، فلا بدّ فيه من الاقبال ، لأنّ من لا يقبل عليك لا يستحقّ اقبالك عليه ، كما لو حاربك من تعلم غفلته من محاربتك وإعراضه عن محاورتك ، فانّه يستحق إعراضك عن خطابه واشتغالك بجوابه .
قال الصّادق عليه السّلام من أراد أن ينظر منزلته عند اللَّه فلينظر منزلة اللَّه عنده ، فانّ اللَّه ينزل العبد مثل ما ينزل العبد إليه من نفسه .
وأما التفهم فهو التّدبر في معنى اللَّفظ ، وهو أمر وراء حضور القلب ، فربما يكون القلب حاضرا مع اللفظ ولا يكون حاضرا مع معنى اللَّفظ ، فاشتمال القلب
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 403
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٤٠٣