وما في شرح البحراني من أنّ لفظ الدّار مستعار للاسلام باعتبار أنه يجمع أهله ويحميهم كالدّار ، لا يخفى بعده والأظهر ما ذكرناه ، ويشعر به قوله سبحانه : * ( تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) * .
ويؤيّده قوله ( وجعلت فيها مأدبة ) فانّه لو أريد بالدّار الاسلام لا بدّ من حمل الظرف أعنى قوله : فيها ، على المجاز بخلاف ما لو أريد بها الآخرة والأصل في الكلام الحقيقة ، والمراد بالمأدبة الجنّة التي هيأت للمتّقين ودعى إليها عباد اللَّه الصّالحون ، وأعدّ اللَّه سبحانه لهم فيها ما لا عين رأت ولا اذن سمعت وما تشتهيه أنفسهم .
( مشربا ومطعما ) أي شرابا وطعاما ( وأزواجا ) من الحور العين ( وخدما ) من الولدان المخلَّدين ( وقصورا ) عالية ( وأنهارا ) جارية ( وزروعا ) زاكية ( وثمارا ) طيّبة ( ثمّ أرسلت داعيا يدعو ) الناس ( إليها ) إي إلى هذه الدّار أو المأدبة ، وأراد بالداعي محمّدا صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم أو إيّاه مع ساير الأنبياء .
( فلا الدّاعى أجابوا ولا فيما رغبت اليه ) من الدار الآخرة الباقية ونعيمها ( رغبوا ولا إلى ما شوّقت اليه ) من حور الجنة وقصورها وأنهارها وثمارها وساير ما اعدّ فيها .
( اشتاقوا اقبلوا على جيفة قد افتضحوا بأكلها ) استعار عليه السّلام لفظ الجيفة للدنيا باعتبار نفرة طباع أهل البصيرة . والمعرفة عنها وكونها مستقذرة في نظر أرباب اليقين وأولياء الدّين كالجيفة المنتنة التي ينفرّ عنها النّاس ويفرّون منها ، أو باعتبار اجتماع أهلها عليها وفرط رغبتهم إليها وكون همّ كلّ واحد جذبها إلى نفسه بمنزلة جيفة منبوذة تجتمع عليها الكلاب ويجذبها كلّ إليه قال الشاعر :
وما هي إلَّا جيفة مستحيلة
عليها كلاب همّهنّ اجتذابها
فان تجتنبها كنت سلما لأهلها
وان تجتذ بها نازعتك كلابها