كمال قدرته من الممكنات الغير المتناهية ومن البيّن أنّ قياس الموجود على الممكن ونسبته إليه في العظم والكثرة يستلزم صغره وحقارته ثمّ قال ( وما أهول ما نرى من ملكوتك وما أحقر ذلك فيما غاب عنّا من سلطانك ) وهو تعجّب من هول ما وصلت إليه العقول من عظمة ملكوته ثمّ من حقارته بالنسبة إلى ما غاب عنها وخفى عليها مما هو محتجب تحت أستار القدرة وحجبّ العزّة من بدايع الملاء الأعلى وعجائب العالم العلوي وسكَّان حظائر القدس .
ثمّ قال ( وما اسبغ نعمك في الدّنيا وما أصغرها في نعم الآخرة ) وهو تعجّب من سبوغ نعمه على عباده في الدّنيا بما لا تحصى ثمّ من حقارتها بالقياس إلى نعم الآخرة وما أعدّه للمؤمنين فيها من الجزاء الأوفى ، فانّ نسبتها إليها نسبة المتناهى إلى ما لا يتناهى كما هو ظاهر لا يخفى .
ثمّ إنّه سلام اللَّه عليه وآله لما افتتح كلامه بذكر أوصاف العظمة والكبرياء للرّب العزيز تبارك وتعالى عقّبه بذكر حالات ملائكة السماء وأنّهم على ما هم عليه من القدس والطهارة والفضايل الجمّة والكمالات الدثرة الَّتي فضّلوا بها على الأشباح والأقران وتميزوا بها عن نوع الانسان ، ومن العلم والمعرفة التي لهم بخالقهم ، والخوف والخشية التي لهم من بارئهم ، والخضوع والخشوع الذي لهم لمعبودهم لم يعبدوه حقّ عبادته ولم يطيعوه حقّ طاعته .
فقال ( من ملائكة أسكنتهم سماواتك ورفعتهم عن أرضك ) هذا محمول على الأغلب أو المراد أنّ مسكنهم الأصلي هو السّماء ، فلا ينافي كون بعضهم في الأرض لاقتضاء المصلحة والتّدبير مثل الكرام الكاتبين والمجاورين بمرقد الحسين عليه السّلام ونظرائهم .
( هم أعلم خلقك بك ) لتجرّدهم وبعد علومهم من منازعة النفس الأمارة التي هي مبدء السّهو والنسيان والغفلة ، فيكونون أبلغ معرفة وأكمل علما ( وأخوفهم لك ) لأنّ العلم كلما كان أكمل كان الخوف آكد والخشية أشدّ كما قال تعالى : * ( إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِه ِ الْعُلَماءُ ) * .
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 321
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٢١