يتصوّر خروج العاصي بعصيانه عن كمال سلطانه حتّى يؤثر في نقصانه ، ولا طاعة المطيع في ازدياد ملكه حتى تؤثر في زيادته .
ومحصلّ ذلك كلَّه أنه تعالى كامل من جميع الجهات في ذاته وصفاته بذاته ولذاته ولا حاجة له في عزّه وسلطانه إلى الغير ، ولا تأثير للغير في ملكه وسلطنته بالنقصان والزيادة ، وإلَّا لزم نقصه في ذاته استكماله بغيره ، وهو باطل .
( ولا يردّ أمرك من سخط قضائك ) المراد بالأمر هنا الأمر التّكويني المشار إليه بقوله سبحانه : * ( إِنَّما أَمْرُه ُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَه ُ كُنْ فَيَكُونُ ) * .
وأريد الأمر لكونه بارتفاع الوسايط لا بدّ فيه من وقوع المأمور به لا محالة من غير احتمال تمرّد وعصيان وأما الأمر التشريعي كما في قوله : * ( فَقَعُوا لَه ُ ساجِدِينَ ) * وقوله : * ( وَلا تَقْرَبا هذِه ِ الشَّجَرَةَ ) * .
ونحوهما فهو لكونه بالواسطة وعلى ألسنة الرّسل والملائكة ، فيمكن فيه العصيان وعدم الطَّاعة فمعنى قوله : انه لا يردّ أمرك الملزم أي المقدّرات الحادثة على طبق العلم الأزلي من سخط قضائك وكرهه ، وقد مرّ في شرح الفصل التاسع من فصول الخطبة الأولى ماله ربط بتوضيح المقام ، وفي هذه الفقرة أيضا دلالة على كمال قدرته وعموم سلطانه لافادته أنّ كلّ ما علم وجوده فلا بدّ من وجوده ، سواء كان محبوبا للعبد أو مبغوضا له كما قال تعالى : * ( وَيَأْبَى اللهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَه ُ وَلَوْ كَرِه َ الْكافِرُونَ ) * وقال * ( إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَه ُ مِنْ دافِعٍ ) * .
وتخصيص السّاخط للقضاء بالعجز عن ردّ الأمر لأنّ من شأنه أن لو قدر على ردّ الأمر والقدر لفعل .
( ولا يستغنى عنك من تولَّى عن أمرك ) أراد به الأمر التشريعي ، ومن المعلوم
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 318
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣١٨