أنّ من تمرّد عن أمره وخالفه اشدّ افتقارا وحاجة إلى غفرانه ورحمته ممن قام بوظايف الطاعة والعبادة ، والأظهر أن يراد به الأعمّ من ذلك ، ويكون المعنى أنّ من أدبر وتولَّى عن حكمه ولم يرض بقضائه وقدره لا يمكن استغنائه عنه وانقطاع افتقاره منه .
ويوضح ذلك ما رواه الصّدوق في التّوحيد باسناده عن سعد الخفاف عن الأصبغ بن نباته قال : قال أمير المؤمنين عليه السّلام لرجل : ان كنت لا تطيع خالقك فلا تأكل رزقه ، وإن كنت واليت عدوّه فأخرج من ملكه ، وإن كنت غير قانع بقضائه وقدره فاطلب ربّا سواه .
( كلّ سرّ عندك علانية وكلّ غيب عندك شهادة ) وهما إشارتان إلى عموم علمه وإحاطته ، وقد مرّ ذلك في شرح الفصل السّابع من الخطبة الأولى ونقول هنا مضافا إلى ما مرّ : انّ واجب الوجود سبحانه مجرّد غاية التجرّد ، والغيبة والخفاء إنّما يتصوّران بالنسبة إلى القلوب المحجوبة بحجب الطَّبيعة وسترات الهيئات البدنية والأرواح المستولى عليها نقصان الامكان الحاكم عليها بجهل أحوال ما هو أكمل منها ، والواجب تعالى لتجرّده وبساطته ومنتهى كماله لا يحجبه شيء عن شيء وفوق كلّ شيء ليس فوقه شيء حتى يقصر عن إدراكه .
( أنت الأبد فلا أمد لك ) أي أنت الدّائم فلا غاية لك يقف عندها وجودك وذلك لاستلزام وجوب الوجود امتناع العدم والانتهاء إلى الغاية ، ويمكن ان يكون إطلاق الأبد عليه سبحانه من باب المجاز مبالغة في الدّوام ، والأصل أنت ذو الأبد على حدّ قوله : فإنما هي إقبال وإدبار ، وقوله : فأنت طلاق ، وهذا المجاز شايع في عرف العرب .
( وأنت المنتهى فلا محيص عنك ) أي إليه مصير الخلائق ووقوفهم عنده وإليه انتهاؤهم وإيابهم فيجزى كلّ أحد ما يستحقّه من الثواب والعقاب ، فلا محيد عن حكمه ولا مهرب عن أمره ولا معدل يلجئون إليه كما قال تعالى :
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 319
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣١٩