تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
يكتسبها وعلَّة الأخلاق الرّذيلة حتّى يجتنبها ، أو يتفكر في علَّة العلل وساير العلل المتوسّطة ، أو يتفكَّر في علَّة وجوده وأنّه إنّما خلقه اللَّه للمعرفة والطَّاعة ، وحيث اى يعلم مواضع الأمور ويعرف مقام نفسه فيضعها فيه ولا يتعدّى قدره ، وعرف النّاصح له ممّن غشّه فيقبل النّصح من الأوّل وإن كان عدوّا له ، ويحترز من تدليس الثاني وإن كان صديقا له : فإذا عرف ذلك عرف مجراه أي سبيله الذي يجرى فيه إلى الحقّ أو يعلم أنه متوجه إلى الآخرة فيعمل بمقتضى هذا العلم ولا يتشبّث بالدّنيا وشهواتها ، وموصوله ومفصوله ، أي ما ينبغي الوصل معه من الأعمال والاشخاص وما ينبغي الفصل منه ، واخلص الوحدانيّة للَّه سبحانه ، وعلم أنه الواحد الحقيقي لا جزء له عقلا وذهنا وخارجا ولا شريك له أصلا ، وأقرّ بأنّه لا يستحقّ الطاعة غيره ، فإذا فعل ذلك أي الاخلاص والاقرار ، كان مستدركا في غابر الزمان لما فات منه في سالف الأيّام من التكاليف التي كان يلزم عليه القيام بها ، واستدراكها انّما هو بالتوبة والقيام بوظايفها ، ووارد على ما هو آت من الأعمال الحسنة أو المراتب العالية ، يعرف ما هو فيه أي النّشاة الفانية وفنائها ومعايبها ، ولأىّ شيء هو ههنا يعنى يعرف أنه انما أنزله اللَّه تعالى إلى دار الدّنيا للمعرفة وتحصيل السّعادات الأخروية ، فيبذل همّته وجهده فيها ، ومن أين يأتيه أي النّعم والخيرات ، ويعلم موليها فيشكره ويتوكَّل عليه ويتوسّل به لا بغيره أو الأعمّ منها ومن البلايا والشرور والآفات والمعاصي ، فيعلم أنّ المعاصي من نفسه الامارة ومن الشّيطان فيحترس منهما ، وإلى ما هو صائر أي الموت وأحوال القبر وأهوال الآخرة ونعيمها وعذابها ، أو الأعمّ منها ومن درجات الكمال ودركات النقص ، وذلك كلَّه من تأييد العقل أي من ثمرات كون العقل مؤيدا بالنّور حسبما عرفت فافهم واغتنم هذا . وقد ظهر بما ذكرنا كلَّه أنّ العالم من كمل عقله وعرف قدره ولازم مقامه ولا يرفع نفسه فوق قدرها ولا يتعدى وظيفته ولا يدعى الانيّة له فانّ الرياسة لا تصلح إلَّا لأهلها ( وانّ من أبغض الرّجال إلى اللَّه ) سبحانه المغضوب عنده المصروف عنه نظر العناية الأزليّة والألطاف الرّبانيّة ( لعبد ) استبدّ برأيه واستقلّ بظنّه