تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
عقله . ومن هدم عقله أفسد عليه دينه ودنياه . ثمّ نبّه على سرعة انقضاء متاع الدّنيا بقوله : ( فكأنّ ما هو كائن من الدّنيا عن قليل لم يكن ) يعني أنّ ما هو كائن من الدّنيا من زبرجها وزخارفها ولذايذها سيصير بعد زمان قليل معدوما فكأنّه لم يكن موجودا أصلا ولم يكن شيئا مذكورا . ونبّه على سرعة لحوق الآخرة بقوله ( وكأنّ ما هو كائن من الآخرة عما قليل لم يزل ) يعنى أنّ ما هو كائن من شدايد الآخرة وأحوالها وأهوالها بعد زمان قليل قصير يكون موجودا ثانيا ، والاتيان بلفظ كأنّ في المقامين للتقريب وتشبيه وجود الدّنيا بعدمه في الأوّل وتنزيل عدم الآخرة منزلة الوجود في الثاني تأكيدا ومبالغة في قصر زمان تصرم الدنيا وقلَّة زمان لحوق الآخرة . ثمّ قال ( وكلّ معدود منقض ) أراد أنّ أيّام العمر ولياليه وساعاته وأنفاس الحياة معدودة محصاة ، وكلّ ما هي معدودة فهي منقضة منصرمة ومنقضية منتهية ( وكلّ متوقع آت وكلّ آت قريب دان ) فكلّ متوقّع قريب دان ، وأراد بالمتوقّع الموت . ونظير هذه الفقرة من كلامه عليه السّلام قول قس بن ساعدة الأيادي : مالي أرى النّاس يذهبون ثم لا يرجعون ، أرضوا فأقاموا ، أم تركوا فناموا اقسم قس قسما إنّ في السماء لخبرا ، وفي الأرض لعبرا ، سقف مرفوع ، ومهاد موضوع ونجوم تمور ، وبحار لا تغور ، اسمعوا أيّها النّاس وعوا ، من عاش مات ، ومن مات فات ، وكلّ ما هو آت هذا ، قال السّيد ( ره ) ( منها ) أي بعض فصول تلك الخطبة قوله عليه السّلام ( العالم من عرف قدره وكفى بالمرء جهلا أن لا يعرف قدره ) يعنى أنّ العالم الكامل الحقيق بأن يطلق عليه اسم العالم حقيقة من اتّصف بعرفان قدره وعدم تجاوز طوره ، ومن لم يعرف ذلك فهو حقيق بأن يطلق عليه اسم الجاهل ، وذلك كاف في جهالته ، والمراد بقدره مقداره المعيّن ومحلَّه المرسوم ومرتبته المقرّرة له في الوجود ، وذلك إنّما يكون بكمال العقل . كما قال الصّادق عليه السّلام : ما اخال رجلا يرفع نفسه فوق قدرها إلَّا من